شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ١٩٣ - وجه عداوة إبليس مع آدم
عليه أنّه مراد و أنّ الإنظار و الإمهال له و كذلك استحقاق السحطة و إنجاز العدة و إطلاق لفظ السخطة استعارة فإنّ السخط لمّا كان عبارة عن حالة للإنسان يستلزم وجود مغضوب عليه غير مرضيّ بأفعاله و كان حال إبليس في إنظار اللّه إيّاه و فسوقه عن أمر ربّه مستلزما لإعراض اللّه سبحانه عنه و عمّن عصاه بمتابعته كان هناك نوع مشابهة،فحسن لأجلها إطلاق لفظ السخطة أمّا العدة فتعود إلى قضاء الحكمة الإلهيّة ببقاء الوهم إلى يوم البعث، و إنجازها يعود إلى موافقة القدر لذلك القضاء،و قال بعضهم:إنّه لمّا كان هاهنا صورة مطرود و مبعّد و ملعون حسن إطلاق لفظ السخطة و استحقاقها و أنّه إنّما انظر لأجلها و هو ترشيح للاستعارة.
قوله ثمّ أسكن اللّه سبحانه آدم دارا أرغد فيها عيشه و آمن فيها محلّته و حذّره إبليس و عداوته.
أقول:الدار الّتي أسكن فيها آدم هي الجنّة و الإشارة هاهنا إلى أنّ الإنسان من أوّل زمان إفاضة القوّة العاقلة عليه إلى حين استرجاعها ما دام مراعيا لأوامر الحقّ سبحانه غير منحرف عن فطرته الأصليّة و لا معرض عن عبادته و لا يلتفت إلى غيره فإنّه في الجنّة و إن كانت الجنّة على مراتب كما قال تعالى «لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهٰا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهٰارُ» ١و لذلك قال صلى اللّه عليه و آله:كلّ مولود يولد على الفطرة و إنّما أبواه هما اللذان يهوّدانه و ينصّرانه إذ كانت نفسه قبل الجواذب الخارجيّة عن القبلة الحقيقيّة غير مدّ نسبة بشيء من الاعتقادات الفاسدة و الهيئات الرديئة،و إن كانت المرتبة السامية و الغرفة العالية إنّما تنال بعد المفارقة،و استصحاب النفس لأكمل زاد،و أمّا إرغاد العيش فيعود إلى ابتهاجه بالمعقولات و المعارف الكلّيّة و أمان المحلّة أمان مكانه في الجنّة أن يعرض له خوف أو حزن ما دام فيها،و أمّا تحذيره من إبليس و عداوته فظاهر من الأوامر الشرعيّة و لسان الوحي ناطق كما قال تعالى «إِنَّ هٰذٰا عَدُوٌّ لَكَ وَ لِزَوْجِكَ» ٢و وجه العداوة ظاهر ممّا قلنا فإنّ النفس لمّا كانت من عالم المجرّدات و كان الوهم بطبعه منكرا لهذا القسم من الممكنات كان منكرا لما تأمر به النفس من الامور الكلّيّة الّتي لا حظّ له في إدراكها و ذلك من مقتضيات