شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ١٨٨ - حقيقة الجنّ و ماهيته
كان اشتغال نور النفس في فتيلة البدن عن الوجود الإلهيّ المعطي لكلّ قابل ما يستحقّه يشبه بحسب محاكاة خيالنا الضعف ما نشاهد من اشتغال النار في المحلّ القابل لها عن صورة النفخ لا جرم حسن التعبير و التجوّز بلفظ النفخ عن إفاضة الجود الإلهيّ للنفس على البدن لمكان المشابهة المتخيّلة و إن كان الأمر أجلّ ممّا عندنا و أعلى ،و أمّا نسبة الروح إلى اللّه فاعلم أنّ الروح يحتمل أن يراد به أحد ثلاثة معان،الأوّل جبرئيل عليه السّلام و هو روح اللّه الأمين و نسبته إليه ظاهرة و أمّا نسبة النفخ إلى اللّه حينئذ فلكونه العلّة الاولى و جبرئيل واسطة جعله اللّه تعالى مبدء في هذا اللفظ لنفخ النفس في صورة آدم منه،الثاني جود اللّه و نعمته و فيضه الصادر على آدم و غيره،و إنّما كان ذلك روح لأنّه مبدء كلّ حياة فهو الروح الكليّة الّتي بها قوام كلّ وجود و نسبته إليه ظاهرة و يكون من هاهنا للتبعيض،الثالث أن يراد بالروح النفس الإنسانيّة و يكون من زائدة و إنّما نسب إليه دون سائر مصنوعاته الطيفة لما علمت أنّ الروح منزّه عن الجهة و المكان و في قوّته العلم بجميع الأشياء و الاطّلاع عليها،و هذه مضاهاة و مناسبة بوجه ما مع العلّة الّتي ليست حاصلة لما عدا هذا الجوهر ممّا هو جسم أو جسمانيّ فلذلك شرّفها بالإضافة إليه و قوله فمثلث إنسانا إشارة إلى الصورة المجبولة،و فيه لطيفة و هي أنّها إنّما كانت إنسانا و ينفخ الروح فيها و لذلك رتّب و صيرورتها إنسانا بالفاء على نفخ الروح فيها،و قوله ذا أذهان يجيلها إشارة إلى ما للإنسان من القوى الباطنة المدركة و المتصرّفة و معنى إجالتها تحريكها و بعثها في انتزاع الصور الجزئيّة كما للحسّ المشترك و المعاني الجزئيّة كما للوهم،و قوله و فكر يتصرّف بها إشارة إلى القوى المفكّرة في آحاد النوع الإنساني و تصرّفها في تفتيش الخزانتين و تركيب بعض مودوعاتها ببعض و تحليلها،و قوله و جوارح تختدمها إشارة إلى عامّة الأعضاء الّتي بيّنا أنّها كلّها خدم للنفس و الأدوات الّتي تقلّبها من تلك يشبه أن يختصّ بالأيدي كقوله تعالى «فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلىٰ مٰا أَنْفَقَ فِيهٰا» ١و يمكن أن يكون أعمّ من ذلك كالبصر و القلب كقوله عليه السّلام:يا مقلّب القلوب و الأبصار