شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ١٦٦ - في أصناف الملائكة
تلك الملائكة و بها يدبّر تلك القوائم من العرش،و لا شكّ أنّ بين كلّ قائمة من تلك القوائم و بين كلّ قدرة من تلك القدرة مناسبة ما لأجلها خصّ اللّه سبحانه ذلك الملك بحمل تلك القائمة و ذلك معنى قوله المناسبة لقوائم العرش أكتافهم و يحتمل أن يكون كما استعار لهم لفظ الأقدام استعار لهم أيضا لفظ الأكتاف ثمّ شبّه قيامهم بأمر اللّه في حملهم للعرش بقيام الأساطين الّتي يبني عليها الواحد منّا عرشه فهم مناسبون مشابهون لقوائم العرش الّتي يبنى عليها من غير أن يكون هناك تعرّض لإثبات قوائم بل ما يشبه القوائم .
كناية قوله ناكسة دونه أبصارهم متلفعّون تحته بأجنحتهم :الضميران في دونه و تحته راجعان إلى العرش و قد جاء في الخبر عن وهب ابن منبّه قال:إنّ لكلّ ملك من حملة العرش و من حوله أربعة أجنحة أمّا جناحان فعلى وجهه مخافة أن ينظر إلى العرش فيصعق و أمّا جناحان فيفهوا بهما ليس لهم كلام إلاّ التسبيح و التحميد،و كنى عليه السلام بنكس أبصارهم عن كمال خشيتهم للّه تعالى و اعترافهم بقصور أبصار عقولهم عن إدراك ما وراء كمالاتهم المقدّرة لهم و ضعفها عمّا لا يحتمله من أنوار اللّه و عظمته المشاهدة في خلق عرشه و ما فوقهم من مبدعاته فإنّ شعاع أبصارهم منته واقف دون حجب عزّة اللّه .و عن بريد الرقاشيّ أنّ للّه تعالى ملائكة حول العرش يسموّن المخلخلين تجري أعينهم مثل الأنهار إلى يوم القيامة يميدون كأنّما تنقضهم الرياح من خشية اللّه تعالى فيقول لهم الربّ جل جلاله ملائكتي ما الّذي يخيفكم؟فيقولون:ربّنا لو أنّ أهل الأرض اطّلعوا من عزّتك و عظمتك على ما اطّلعنا عليه ما ساغوا طعاما و لا شرابا و لا انبسطوا في فرشهم و لخرجوا إلى الصحراء يخورون كما يخور الثور، استعارة و اعلم أنّه لمّا كان الجناح من الطائر و الإنسان عبارة عن محل القوّة و القدرة و البطش صحّ أن يستعار للملائكة على سبيل الكناية عن كمالهم في قدرتهم و قوّتهم الّتي يطيرون في بيداء جلال اللّه و عظمته و تصدر بواسطتهم كمالات ما دونهم من مخلوقات اللّه، و صحّ أن توصف تلك الأجنحة بالقلّة و الكثرة في آحادهم،و يكون ذلك كناية عن تفاوت قرابتهم و زيادة كمال بعضهم على بعض،و لمّا استعار لفظ الأجنحة استلزم ذلك أن يكون قد شبّههم بالطائر ذي الجناح،ثمّ لمّا كان الطائر عند قبض جناحه يشبه المتلفّع بثوبه و الملتحف به و كانت أجنحة الملائكة الّتي هي عبارة عن كما لهم في قدرهم و علومهم مقبوضة