شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ١٧٣ - كيفيّة خلق آدم
و الأبيض و الأسود و بين ذلك،و السهل و الحزن و الخبيث و الطيّب،و اعلم أنّ جمهور المفسّرين على أن الإنسان في قوله تعالى «وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسٰانَ مِنْ سُلاٰلَةٍ مِنْ طِينٍ» هو أبونا آدم عليه السّلام و نقل عن محمّد بن عليّ الباقر عليه السّلام أنّه قال:قد انقضى قبل آدم الّذي هو أبونا ألف ألف آدم و أكثر قال بعض العلماء:و هذا لا ينافي حدوث العالم فإنّه كيف كان لا بدّ من الانتهاء إلى إنسان هو أوّل الناس فأمّا أنّ ذلك الإنسان هو أبونا آدم فلا طريق إلى إثباته إلاّ من جهة السمع.
البحث الثالث أجمع المسلمون على أنّ سجود الملائكة لآدم لم يكن سجوده عبادة
لأنّ العبادة لغير اللّه كفر،ثمّ اختلفوا على ثلاثة أقوال.الأوّل أنّ ذلك السجود كان للّه و كان آدم كالقبلة و كما يحسن أن يقال سجدوا لآدم كذلك يحسن أن يقال سجدوا للقبلة بدليل قول حسّان بن ثابت:
ما كنت أحسب أنّ
الأمر منصرف عن هاشم ثمّ منها عن أبي حسن
أ ليس أوّل من صلّى لقبلتكم و أعرف الناس بالآيات و
السنن
فقوله صلّى لقبلتكم نصّ على المقصود.الثاني أنّ السجود
كان لآدم تعظيما له و تحيّة كالسلام منهم عليه،و قد كان الامم السالفة تفعل ذلك
كما يحيّى المسلمون بعضهم بعضا، و عن صهيب أنّ معاذا-رضى اللّه عنه-لمّا تقدّم من
اليمن سجد للنبيّ صلى اللّه عليه و آله فقال له:
يا معاذ ما
هذا؟فقال:رأيت اليهود تسجد لعظمائها و علماءها و رأيت النصارى تسجد لقسّيسها و
بطارقتها فقلت ما هذا؟فقالوا:تحيّة الأنبياء فقال صلى اللّه عليه و آله كذبوا على
أنبيائهم.الثالث أنّ السجود في أصل اللغة عبارة عن الانقياد و الخضوع كمال قال
الشاعر: { ترى الاكم فيها سجّدا
للحوافر }
أي أنّ تلك الجبال الصغار كانت مذلّلة لحوافر الخيل،و
منه قوله تعالى «وَ النَّجْمُ وَ الشَّجَرُ يَسْجُدٰانِ» و القول الثاني
هو مقتضى كلامه عليه السّلام إذ فسّر السجود به فقال و الخضوع لتكرمته،و باللّه
التوفيق.
البحث الرابع-اختلفوا في الملائكة الّذين امروا بالسجود لآدم
فاستعظم بعضهم سجود ملائكة السماء له،و قالوا المأمورون بذلك هم الملائكة الّذين اهبطوا مع إبليس إلى الأرض قالوا و ذلك أنّ اللّه تعالى لمّا خلق السماوات و الأرض و خلق الملائكة اهبط منهم