شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ١٤٤ - فيما تكوّنت السماء منه
و الإحسان ماء بيان القرآن و علومه على قلوب العباد لأنّ القلوب يستقرّ فيها أنوار علوم القرآن كما أنّ الأودية يستّقر فيها المياه النازلة من السماء و كما أنّ كلّ واد فإنّما يحصل فيه من مياه الأمطار ما يليق بسعته و ضيقه فكذلك هاهنا كلّ قلب إنّما يحصل فيه أنوار علم القرآن ما يليق بذلك القلب من طهارته و خبثه و قوّة فهمه و بصره و تمام التشبيه في الآية مذكور في التفاسير، تشبيه و أمّا تشييه الأمر الأوّل بالريح العاصفة فلأنّ وقوعه لمّا كان دفعة غير منسوب إلى زمان يتوقّف عليه كان أنسب ما يشبه به من الأجسام في السرعة و النفوذ و هو الريح العاصف لكونها أسرع الأجسام حركة و لذلك أكّدها بوصف العصف تقريرا للسرعة التامّة و ما أمرنا إلاّ واحدة كلمح بالبصر و بوصف الزعزعه و القصف تحقيقا للقوّة العالية و الشدّة الشديدة ،و أمّا أمره لها بردّه و تسليطها على شدّة فلأنّه لمّا صوّرها بصورة الريح ساغ أن يقال:إنّه أمرها و هو عبارة عن نسبة ذلك الأمر إلى ذاته تعالى النسبة الّتي تحدثها عقولنا الضعيفة،و فائدة الردّ و الشدّ هاهنا ضبط أمره سبحانه على وفق حكمته الكمالات الفائضة عنه على كلّ مورد مورد بحسب نوعه المستلزم لردّه عمّن ليس له ذلك الكمال المعيّن،و أمّا قرنها إلى حدّه فإشارة إلى إحاطة أمره سبحانه بما لتلك القوابل من الكمالات الفائضة و اشتماله،و قوله الهواء من تحتها فتيق إشارة إلى قبول القوابل المذكورة،و الماء من فوقها دفيق إشارة إلى ما يحمله أمر اللّه من الفيض المذكور و يلقيه على تلك القوابل و كلّ ذلك بترتيب عقليّ لأزمان تلحقه فيعقل فيه التراخي،و أمّا الريح الثانية فأشار بها عليه السّلام إلى الأمر الثاني و وصفها باعتقام مهبّها إشارة إلى عقد ذلك الأمر و إيقاعه على وفق الحكمة الإلهيّة و إلى عدم مانع لجريان ذلك الأمر، تشبيه و بإدامة مربّها إلى إفاضة مقارّ ذلك الأمر فكأنّه شبّه الفيض الصادر بهذا الأمر على هيولى الأجسام الفلكيّة بالديمة الهاطلة على الأماكن الّتي يجتمع بها و يقيم،أو أراد أنّ المحالّ القابلة لذلك الأمر المستلزمه له ذاتيّة دائمة ،و أشار بعصف مجراها إلى سرعة ذلك الأمر كما وصف به الريح الاولى،و ببعد منشأها إلى عدم أوّليّة مبدؤه، و بأمره لهذه الريح إلى نسبة ذلك الأمر إلى ذاته كما مرّ،و بتصفيق الماء الزخّار و إثارة أمواج البحار إلى نسبة فيضان صور الأفلاك و كمالاتها إلى أمره سبحانه بواسطة تلك