شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٣٠٥ - فيما هو وسيلة إلى الفوز بالجنّة و النجاة من النار
و الميل إليها كالأرض السبخة الّتي لا تقبل الزرع و الإنبات لمخالطة الأجزاء الملحيّة،و يوم القيامة يوم الحصاد إلاّ من زرع.و لا زرع إلاّ من بذر،و كما لا ينفع الزرع في أرض سبخة كذلك لا ينفع إيمان مع خبث النفس و سوء الأخلاق،فينبغي أن يقاس رجاء العبد لرضوان اللّه برجاء صاحب الزرع،و كما أنّ من طلب أرضا طيّبة،و بذرها في وقت الزراعة بذرا غير متعفّن و لا يتكاهل ثمّ أمدّه بالماء العذب و سائر ما يحتاج إليه في أوقاته ثمّ طهّره عن مخالفة ما يمنع نباته من شوك و نحوه ثم انتظر من فضل اللّه رفع الصواعق و الآفات المفسدة إلى تمام زرعه و بلوغ زرعه غايته،كان ذلك رجاء في موضعه و استحقّ اسم الرجاء إذ كان في مظنّة أن يفوز بمقاصده من ذلك الزرع،و من بذر في أرض كذلك إلاّ أنّه بذر في اخريات الناس و لم يبادر إليه في أوّل وقته أو قصّر في بعض أسبابه ثمّ أخذ ينتظر ثمرة ذلك الزرع و يرجو اللّه في سلامته له فهو من جملة الراجين أيضا،و من لم يحصل على بذر أو بذر في أرض سبخة أو ذات شاغل من الإنبات ثمّ أخذ ينتظر الحصاد فذلك الانتظار حمق.فكان اسم الرجاء إنّما يصدق على انتظار ما حصل جميع أسبابه أو أكثرها الداخلة تحت اختيار العبد و لم يبق إلاّ ما لا يدخل تحت اختياره و هو فضل اللّه تعالى بصرف القواطع و المفسدات،كذلك حال العبد إن بذر المعارف الإلهيّة في أرض نفسه في وقته و هو مقتبل العمر و مبتدأ التكليف،و دام على سقيه بالطاعات و اجتهد في طهارة نفسه عن شوك الأخلاق الرديئة الّتي تمنع نماء العلم و زيادة الإيمان و انتظر من فضل اللّه تعالى أن يثبته على ذلك إلى زمان وصوله و حصاد عمله فذلك الانتظار هو الرجاء المحمود و هو درجة السابقين،و إن ألقى بذر الايمان في نفسه لكنّه قصّر في بعض أسبابه إمّا ببطؤه في البذر أو في السقي إلى غير ذلك ممّا يوجب ضعفه ثمّ أخذ ينتظر وقت الحصاد و يتوقّع من فضل اللّه تعالى أن يبارك له فيه و يعتمد على أنّه هو الرزّاق ذو القوّة المتين فيصدق عليه أيضا أنّه راج إذ أكثر أسباب المطلوب الّتي من جهته حاصلة و هذه درجة القسم الثاني و هو الطالب الراجى البطىء،و إن لم يزرع من قواعد الإيمان في نفسه شيئا أصلا أو زرع و لم يسقه بماء الطاعة أو ترك نفسه مشغولة بشوك الأخلاق الرديئة و انهمك في طلب آفات الدنيا ثمّ انتظر المغفرة و الفضل من اللّه فذلك الانتظار غرور و ليس برجاء في الحقيقة و ذلك هو القسم الثالث و هو المقصّر في أسباب الزراعة و تحصيل