شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٣٠٨ - إشارة إلى أنّ أدنى مراتب الجهل يوجب اكتساب الرذائل
من وجوب التجرّد للحقّ و نصرته،و ربّما يستفهم منها تعليم كيفيّة استجلاب طباع الجهّال و تأنيسهم و هو أنّهم لا ينبغي أن يقابلوا بالحقّ دفعة و يتجرّد في مقابلتهم به على كلّ وجه فإنّ ذلك ممّا يوحب نفارهم و عدم نظام أحوالهم بل ينبغي أن يؤنسوا به على التدريج قليلا قليلا.و ربّما لم يكن تأنيسهم بالحقّ في بعض الامور إمّا لغموض الحقّ بالنسبة إلى أفهامهم أو لقوّة اعتقادهم الباطل في مقابلته فينخدعوا عن ذلك بالحقّ في صورة الباطل و ظاهره و ذلك كما ورد في القرآن الكريم و السنن النبويّة من صفات التجسيم و ما لا يجوز أن يحمل على ظاهره في حقّ الصانع الحكيم فإنّ حمله على ظاهره كما يتصوّره جهّال الناس أمر باطل لكنّه لمّا كان سبب إيناسهم و جمع قلوبهم على اعتقاد الصانع و به نظام امورهم ورد الشرع به.
كناية قوله لا يهلك على التقوى سنخ أصل و لا يظمأ عليها زرع قوم .تنبيه على لزوم التقوى باعتبارين:أحدهما أنّ كلّ أصل بنى على التقوى فمحال أن يهلك و يلحق بانيه خسران كما قال تعالى «أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيٰانَهُ عَلىٰ تَقْوىٰ مِنَ اللّٰهِ وَ رِضْوٰانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيٰانَهُ عَلىٰ شَفٰا جُرُفٍ هٰارٍ» ١الثاني أنّ من زرع زرعا اخرويّا كالمعارف الإلهيّة في أرض نفسه مثلا أو دنيويّا كالأعمال الّتي بها تقوم مصالح الإنسان في الدنيا و سقاها ماء التقوى و جعله مادّتها فإنّه لا يلحق ذلك الزرع ظمأ بل عليه ينشأ بأقوى ساق و أزكى ثمرة،و استعمال الزرع و الأصل كناية عمّا ذكرناه .
قوله فاستتروا ببيوتكم «وَ أَصْلِحُوا ذٰاتَ بَيْنِكُمْ» و التوبة من ورائكم .قد عرفت أنّ هذا الفصل مقدّم في الخطبة على قوله من أبدى صفحته للحقّ هلك ،و هو مسبوق بالتهديد و وارد في معرضه و هو قوله ألا و إنّ اللّه قد جعل أدب هذه الامّة السوط و السيف ليس عند إمام فيهما هوادة أي مصالحة و سكون فاستتروا ببيوتكم و هو حسم لمادّة الفتنة بينهم بلزوم البيوت عن الاجتماع للمنافرات و المفاخرات و المشاجرات،و لذلك أردفه بقوله «وَ أَصْلِحُوا ذٰاتَ بَيْنِكُمْ» فإنّ قطع مادّة الفتنة سبب لإصلاح ذات البين قوله و التوبة من ورائكم تنبيه للعصاة على الرجوع إلى التوبة عن الجري في ميدان المعصية و اقتفاء أثر الشيطان و كونها وراء