شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ١٤٦ - كيفيّة خلق العرش و الكرسيّ
من تحتها فتيق و الماء من فوقها دفيق فإنّ الهواء إشارة إلى القوابل بعده و بواسطته، و بالماء إشارة إلى الفيض الصادر عن الأوّل سبحانه فإنّ التدفّق لمّا كان مستلزما لسرعة حركة الماء و جريانه عبر به عن الفيض الّذي لا توقّف فيه،و الريح الثانية عن العقل الثاني فإنّه هو الواسطة في إفاضة أنوار اللّه سبحانه على ما بعده من العقول الّتي بواسطتها تصوّر السماوات السبع،و وصف الريحين بالعصف و القصف إشارة إلى ما يخصّ هذين المبدئين من القدرة،و أمره للريح الثانية بتصفيق الماء الزخّار و إثارة موج البحار إشارة إلى تحريك العقل الثاني للعقول الّتي بعده إلى إفاضة كمالات الأفلاك باقي التأويل كما في التأويل الأوّل .
[قوله جعل سفلاهنّ مفوفا إلى قوله و سقف سائر و رقيم مائر.]
قوله جعل سفلاهنّ مفوفا إلى قوله و سقف سائر و رقيم مائر.
أقول:هاهنا أبحاث.
البحث الأوّل-هذا الكلام يجري مجرى الشرح و التفسير لقولهفسوّى
لانّ التسوية عبارة عن التعديل و الوضع و الهيئة الّتي عليها السماوات إنّما فيهنّ،و الغرض بهذا التفصيل تنبيه الأذهان الغافلة عن حكمة الصانع سبحانه في ملكوت السماوات و بدائع صنعه و ضروب نعمه ليتذكّروا نعمة ربّهم فيواظبوا على عبادته و حمده على تمام ذلك الإحسان كما قال تعالى «تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَ تَقُولُوا سُبْحٰانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنٰا هٰذٰا وَ مٰا كُنّٰا لَهُ مُقْرِنِينَ» ١فإنّ كلّ هذه نعم على العباد و هى إن كان فيها ما يبعد عن الأذهان الضعيفة كونه نعمة على العباد كحركات السماوات مثلا فإنّي أحسب أنّ كثيرا من الغافلين يقولون:و ما فائدة حركة السماء في حقّنا لكنّه إذا انتبهت أذهانهم لذلك علمت أنّه لو لا تلك الحركة لم يحصل شيء من المركّبات في هذا العالم أصلا فلم يكن العبد في نفسه فضلا عمّا يجرى عليه من النعم الخارجة عنه إلاّ أنّ تلك الحركة قد تستلزم نعمة هى أقرب إلى العبد من غيرها كالاستضاءة بنور الكواكب و الاهتداء بها في ظلمات البرّ و البحر و إعدادها الأبدان للصحّة و نحو ذلك،و قد يستلزم نعما اخرى إلى أن يتّصل بالعبد كإعدادها الأرض مثلا لحصول المركّبات الّتي منها قوام حياة العبد،و اعلم أنّ اللّه