الـفتوحات المکية طبع الهيئه المصريه العامه للکتاب - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢١٦ - (الفتى الفائت المتكلم الصامت)
قلت عند الطواف:"كيف أطوف
و هو عن درك سرنا مكفوف؟
جلمد غير عاقل حركاتى"...
قيل:أنت المحير المتلوف
انظر البيت نوره يتلألأ
لقلوب تطهرت،مكشوف
نظرته بالله دون حجاب
فبدا سره العلى المنيف
و تجلى لها من أفق جلالي
قمر الصدق ما اعتراه خسوف
لو رأيت الولى حين يراه
قلت فيه:مدله ملهوف
يلثم السر في سواد يمينى
أي سر لو أنه معروف
جهلت ذاته فقيل:كثيف
عند قوم،و عند قوم لطيف
قال لي حين قلت:لم جهلوه؟
و استقاموا فما يرى قط منهم
عن طواف بذاته تحريف
قم فبشر عنى مجاور بيتى
بأمان ما عنده تخويف
إن أمتهم فرحتهم بلقائي
أو يعيشوا فالثوب منهم نظيف"
(الفتى الفائت المتكلم الصامت)
(٣٢٣)اعلم،أيها الولى الحميم،و الصفي الكريم،أنى لما وصلت إلى مكة البركات،و معدن السكنات الروحانية و الحركات،و كان من شأني فيه ما كان،طفت ببيته العتيق في بعض الأحيان.فبينا أنا أطوف مسبحا و ممجدا،و مكبرا و مهللا،تارة ألثم و أستلم،و تارة للملتزم ألتزم،إذ لقيت-و أنا عند الحجر الأسود باهت-الفتى الفائت،المتكلم الصامت،الذي ليس بحيٍّ و لا مائت،المركب البسيط،المحاط المحيط! (٣٢٤)فعند ما أبصرته يطوف بالبيت،طواف الحي بالميت،عرفت حقيقته و مجازه،و علمت أن الطواف بالبيت كالصلاة على الجنازة.و أنشدت الفتى المذكور ما تسمعه من الأبيات،عند ما رأيت الحي طائفا بالأموات -شعر-:
و لما رأيت البيت طافت بذاته
تعجبت من ميت يطوف به حى
عزيز وحيد الدهر ما مثله شيء
تجلى لنا من نور ذات مجله
و ليس من الأملاك بل هو إنسى
تيقنت أن الأمر غيب و أنه
لدى الكشف و التحقيق حى و مرئى
(٣٢٥)قلت:فعند ما وقعت منى هذه الأبيات،و ألحقت بيته المكرم، من جهة ما،بجانب الأموات،-خطفنى منى خطفة قاهر،و قال لي قولة رادع زاجر:"انظر إلى سر البيت قبل الفوت،تجده زاهيا بالمطيفين و الطائفين باحجاره،ناظرا إليهم من خلف حجبه و أستاره".فرأيته يزهو،كما قال.