تنقيح المقال في علم الرجال - المامقاني، الشيخ عبد الله - الصفحة ١٤٥ - ٤٣٩٤
[٢] أهل الصنعة،و نقدة الكلام،و كان الصاحب يقول:«بدئ الشعر بملك،و ختم بملك» يعني امرئ القيس و أبا فراس،و كان المتنبي يشهد له بالتقدم و التبريز،و يتحامى جانبه فلا ينبري لمباراته،و لا يجترئ على مجاراته،و إنّما لم يمدحه،و مدح من دونه من آل حمدان تهيبا له و إجلالا لا إغفالا و إخلالا.. و قد طبع ديوانه مرارا إلاّ أنّ يد الأمانة!قد حذفت بعض شعره في آل اللّه صلوات اللّه و سلامه عليهم،و قد روى بعض شعره الثعالبي في يتيمته. أقول:إنّ أبا فراس هو من نوابغ الدهر،و حسنات الزمان،و نوادر المجتمع البشري؛ فأنّه جمع القصوى من الصفات الحميدة الجليلة؛فإنّه في الغاية من الشجاعة و الفصاحة و البلاغة و عفة النفس و القلم،و شعره الكثير منزّه عن كلّ ما يخلّ بالمروءة و الزعامة، و قلّما نجد في إنسان شجاعة و رقة،و أمارة و زهدا،و ترفّعا عمّا في أيدي الناس مع الكرم،و هذه الصفات تتعارض و لا تجتمع في فرد،إلاّ في مثل شاعرنا البطل المغوار؛ و ممّا يؤسف له أن يكتفى في ترجمة مثل هذا الألمعي الفذ،و المجاهد في سبيل إعلاء كلمة الحقّ،و المجاهر بالدفاع عن أهل البيت عليهم السلام بأسطر معدودة،و كلمات عديدة،و ذلك أن كل نواحي حياته الكريمة فضيلة و للدراسة جديرة،و يستحقّ أن يؤلّف في حياته و شعره و ما اختصّ به من صفات الكمال كتب مستقلة و مباحث مبسّطة،لكن عودنا الدهر بهضم حقوق نوابغنا،و دثر معالم أكابرنا،و التناسي عن ذكر مفاخرنا التي لا يجاريها أحد،و لو لم تكن له إلاّ قصيدته العصماء لكفت في الإعراب عن دخيلة أمره،و خفيّ عقيدته،و القصيدة معروفة بالشافية،و ذلك أنّه لمّا نظم محمّد بن سكرة العباسي قصيدته التي يفاخر بها الطالبيين،و ينتقص ولد أمير المؤمنين عليه السلام، و يتحامل فيها عليهم بقوله: بني عليّ دعوا مقالتكم لا ينقص الدرّ وضع من وضعه فلما وقف عليها بطلنا المقدام أبت نفسه الأبيّة،و ترفعت أرومته العلية من التنازل إلى ردّه مباشرة و خطابه هذا المأبون الحقير،فانشأ قصيدته الشافية و هي: ١- الحقّ مهتضم و الدين مخترم و فيء آل رسول اللّه مقتسم ٢- و الناس عندك لا ناس فيحفظهم سوم الرعاة و لا شاء و لا نعم ٣- إنّي أبيت قليل النوم أرّقني قلب تصارع فيه الهمّ و الهمم ٤- و عزمة لا ينام الليل صاحبها إلاّ على ظفر في طيّه كرم