التحصين لأسرار ما زاد من كتاب اليقين - السيد علي بن موسى بن طاووس - الصفحة ٦٤٧ - ٢٧ الباب فيما نذكره من مناظرة قوم من أحبار اليهود لعمر بن الخطاب و عجزه عن الجواب و قيام مولانا علي عليه أفضل السلام بالحق و الصواب
فَقَالُوا مَا لَكَ لَا تَأْكُلُ مَعَنَا؟
قَالَ نَزَلَ بِي أَمْرٌ يَعُوقُنِي عَنِ الْأَكْلِ وَ الشُّرْبِ.
قَالُوا يَا تمليخا قَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ لَا يَطِيبُ لَنَا الْعَيْشُ وَ لَا الطَّعَامُ وَ لَا الشَّرَابُ إِلَّا مَعَكَ.
قَالَ إِخْوَانِي كُلُوا فَإِنَّهُ أَمْرٌ لَا أَقْدِرُ أَنْ آكُلَ شَيْئاً مَعَهُ.
قَالُوا يَا تمليخا أَخْبِرْنَا بِعِلَّتِكَ فَإِنْ كُنْتَ مُغْتَمّاً مِنْ أَجْلِ الْمَلِكِ وَ مَا نَزَلَ بِهِ فَإِنَّا شُرَكَاؤُكَ فِي ذَلِكَ وَ إِنْ كَانَ لِعِلَّةِ مَرَضٍ فَإِنَّا عُلَمَاءُ بِالطِّبِّ وَ إِنْ كَانَ أَمْراً دُونَ ذَلِكَ فَلَا يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَغْتَمَّ وَ لَا أَنْ تَغُمَّنَا فَأَخْبِرْنَا بِأَمْرِكَ فَرُبَّ أَمْرٍ هُوَ شَدِيدٌ عَلَى صَاحِبِهِ عَسِرٌ عَلَيْهِ وَ عِنْدَ غَيْرِهِ كُشِفَ لَهُ وَ فُرِّجَ مِنْهُ.
فَقَالَ إِخْوَانِي إِنَّ الَّذِي مَنَعَنِي مِنَ الطَّعَامِ فِكْرَةٌ فَكَّرْتُ لَيْلَتِي هَذِهِ فِيهَا.
فَقَالُوا أَخْبِرْنَا.
فَقَالَ إِخْوَانِي فَكَّرْتُ فِي إِلَهِنَا دَقْيُوسَ فَقُلْتُ لَوْ كَانَ دَقْيُوسُ إِلَهاً كَمَا زَعَمَ مَا كَانَ لَهُ أَنْ يَغْتَمَّ وَ لَا أَنْ يَفْرَحَ وَ لَا أَنْ يَمَسَّهُ هَمٌّ فَأَنَا أَرَاهُ كَأَحَدِنَا يَأْكُلُ وَ يَشْرَبُ وَ يَتَغَوَّطُ وَ يَقُومُ وَ يَقْعُدُ وَ يَرْكَبُ وَ يَحْتَاجُ إِلَى الْأَهْلِ وَ يَنَامُ فَكَيْفَ يَكُونُ دَقْيُوسُ إِلَهاً؟!
وَ فَكَّرْتُ فِي نَفْسِي فَقُلْتُ مَنْ أَخْرَجَنِي جَنِيناً وَ مَنْ خَلَقَنِي فِي بَطْنِ أُمِّي مِنْ مَاءٍ أَبْيَضَ سَوِيّاً وَ مَنْ رَبَّانِي وَ مَنْ غَذَّانِي إِذْ كُنْتُ طِفْلًا رَضِيعاً ثُمَّ فَطِيماً ثُمَّ أَمْرَدَ ثُمَّ إِلَى الشَّبَابِ ثُمَّ أَصِيرُ كَهْلًا وَ شَيْخاً ثُمَّ الْمَوْتُ لَا بُدَّ مِنْهُ؟
ثُمَّ فَكَّرْتُ فِي نَفْسِي مَنْ سَوَّى فَوْقَنَا سَقْفاً مَرْفُوعاً بِلَا عَمَدٍ هَوَاهُ وَ لَا عِلَاقَةٍ وَ لَا مُتَّكَإٍ وَ مَنْ زَيَّنَهَا بِالْكَوَاكِبِ الطَّالِعَاتِ وَ مَنْ أَجْرَى الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ وَ مَنْ يَأْتِي بِاللَّيْلِ الْمُظْلِمِ وَ النَّهَارِ الْمُبْصِرِ وَ مَنْ يَأْتِي بِالسَّحَابِ فَيَسْقِي الْبِلَادَ وَ الْعِبَادَ مِنْهُ وَ مَنْ يُنْبِتُ الْحَبَّ فِي الثَّرَى هُوَ الَّذِي خَلَقَنَا وَ خَلَقَهُ.
وَ قُلْتُ مَا دَقْيُوسُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِهِ وَ عَبْدٌ مِنْ عَبِيدِهِ مَلَكَهُ إِلَهُ السَّمَاوَاتِ وَ أَعْطَاهُ النِّعْمَةَ السَّابِغَةَ وَ الْعُمُرَ الطَّوِيلَ وَ الْجُنْدَ الْكَثِيرَ وَ الْمَالَ الْمَزِيدَ فَكَفَرَ بِهِ وَ عَصَاهُ وَ طَغَى وَ ادَّعَى الرُّبُوبِيَّةَ وَ دَعَا النَّاسَ إِلَى نَفْسِهِ