مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ٢٥١
الآية»: «اعلم أنّ من شرط التّوبة النّدم على ما مضى من القبيح و العزم على ان لا يعود الى مثله في القبح فانّ هذه التّوبة أجمع المسلمون على سقوطه عندها. ثمّ قال: و قبول التّوبة و إسقاط العقاب عندها تفضّل من اللّه غير واجب عليه عندنا و عند جميع المعتزلة واجب و قد وعد اللّه بذلك و ان كان تفضّلا و علمنا انّه لا يخلف الميعاد».
و لا يذهب عليك أنّ آخر كلامه يدلّ على أنّ سقوط العقاب عندها واجب سمعا و هو كذلك لأنّه تعالى وعده فيجب الوفاء به و هذا لا ينافي قول المحقّق الطّوسي في التّجريد بعدم وجوب سقوط الذّنب عند التّوبة لأنّ مراده بعدم الوجوب عدم الوجوب عقلا فلا ينافيه الوجوب السّمعيّ.
لا يقال: قوله تعالى في سورة براءة «ثُمَّ يَتُوبُ اللّٰهُ مِنْ بَعْدِ ذٰلِكَ عَلىٰ مَنْ يَشٰاءُ الآية» صريح في عدم وجوب القبول سمعا فكيف دعوى الإجماع عليه.
لأنّا نقول: ليس في الآية تصريح بانّ ذلك مع التّوبة بل الظّاهر منها انّه تعالى يعفو الذّنب ممّن يشاء إذا لم تصدر منه التّوبة كقوله تعالى «وَ يَغْفِرُ مٰا دُونَ ذٰلِكَ لِمَنْ يَشٰاءُ» فلا ينافي وجوب السّقوط عندها من جهة النّقل. امّا التّوبة عن قبيح مع الإقامة على قبيح آخر يعلم أو يعتقد قبحه فقد نسب في مجمع البيان صحّتها الى أكثر المتكلّمين و عدم الصحّة الى أبي هاشم و أصحابه.
و يدلّ على الأوّل: أنّ التّوبة إذا كانت عبارة عن النّدم على القبيح و العزم على عدم العود اليه فيجوز أن يقع ذلك في الكلّ و البعض و دليل القبول كما يجري في الكل يجري في البعض أيضا.
و ما يقال: إنّ شرط التّوبة النّدم على القبيح و العزم على عدم العود اليه لكونه قبيحا و ذلك انّما يتأتّى مع ترك الجميع و لا يتحقّق عن البعض دون البعض فمدفوع بأنّه على تقدير تسليم الشّرطيّة لا منافاة بين كون القبيح سببا للتّرك و النّدامة عن البعض دون البعض ألا ترى انّ الواجبات مشتركة في الحسن و لا يقال لمن فعل