مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ٢٥٠
قلت: على هذا يمكن الاستدلال بها على تحريم كتمان الشّهادة بل على تحريم ترك الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر مع الشّرائط لأنّ في كتاب اللّه ما يدلّ على ذلك. و لا يبعد الاستدلال بها على جواز لعن من يصدق عليه أحد الأمور المذكورة الموجبة بكتمان الحقّ لأنّ اللّه تعالى قد لعنه و أخبر باستحقاقه اللّعن من النّاس و غيرهم.
«إِلَّا الَّذِينَ تٰابُوا وَ أَصْلَحُوا» ما أفسدوه بالكتمان أو أخلصوا و استمرّوا على التّوبة، أو ضموا العمل الصّالح إليها على ما تقدّم «وَ بَيَّنُوا» أظهروا التّوبة ليعلم أنّهم تائبون و يعلم النّاس انّ ما فعلوه كان قبيحا و من ثمّ قيل: من ارتكب المعصية سرّا كفاه التّوبة سرّا و من أظهر المعصية يجب عليه أن يظهر التّوبة، أو المراد بيّنوا التّوبة بإخلاص العمل.
و لا يبعد أن يكون أصلحوا و بيّنوا و أمثال ذلك ممّا وقع في القرآن بعد التّوبة إشارة إلى كمال التّوبة بالنّدم الى جميع المعاصي و العزم على تركها فيتخلّص من حقوق اللّه بالتّوبة و من حقوق النّاس بإبراء الذّمّة من كلّ حقّ يحتاج إلى الإبراء.
«فَأُولٰئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ» أقبل توبتهم و الأصل في أتوب أفعل التّوبة فإذا وصل بعلى دلّ على انّ معناه قبولها.
«وَ أَنَا التَّوّٰابُ الرَّحِيمُ» صيغة المبالغة إمّا لكثرة ما يقبل التّوبة و امّا لانّه لا يردّ تائبا منيبا أصلا، و في وصفه بالرّحيم بعد وصفه بالتوّاب دلالة على انّه تعالى يسقط العقاب عند التّوبة تفضّلا منه و رحمة من جانبه كما ذهب إليه أصحابنا الإماميّة لا انّه واجب عليه عقلا كما ذهب إليه المعتزلة و قد وقع الإجماع منّا و منهم على قبول التّوبة منه تعالى و إسقاط العقاب عندها و هو الظّاهر من الآيات و ان اختلف في كون الاسقاط بالوجوب أو التّفضّل.
قال في مجمع البيان عند قوله تعالى: «فَتَلَقّٰى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمٰاتٍ فَتٰابَ عَلَيْهِ.