مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ٢٠٢ - الثاني حد القذف
لا يقال: نقل في مجمع البيان انّ رجوع الاستثناء إلى الجملتين من قول أبى جعفر و أبى عبد اللّه (عليهما السلام) و هو ينافي ما ذكرتم لوجوب العمل بقولهما.
لأنّا نقول: ليس معناه انّه راجع إليهما بحسب التّركيب و اللّفظ بل حسب المآل و المسألة و يجوز أن يكون متعلّقا بهما هنا لخصوصيّة النّصّ و العلم بكون الحكم كذلك. و قد يكلّف في صحّته أيضا بأن يكون قبل هذا الاستثناء استثناء آخر راجع إلى الجملة الثّانية لكنّه حذف بقرينة المذكور، أو لعدم كونه منصوبا هنا و كون المختار الرّفع إنّما هو فيما لا محذور فيه و تمنع اعراب الشيء الواحد بإعرابين متوافقين فتأمّل.
و لعلّ تصحيح قول الشّافعيّ برجوع الاستثناء إلى الجملتين يكون بذلك و إلّا فالمحذور أعنى لزوم ورود عاملين على معمول واحد على ذلك التقدير ثابت و قد اتّفق الجميع على عدم رجوعه إلى الأولى هنا لأنّ التّوبة لا تسقط الجلد الّذي هو حقّ النّاس.
و ممّا يبطل قول الحنفيّة بعدم قبول شهادته بعد التّوبة: انّ الكافر إذا تاب قبلت شهادته و ليس القذف بأعظم منه بل أسهل قطعا، و أيضا الزّاني إذا تاب قبلت شهادته و القاذف أسهل منه إذ هو أخفّ ذنبا إذ الرّمي بالفاحشة أسهل من فعلها و هو ظاهر.
و قد ادّعى الطبرسي في مجمع البيان في الصّورتين الإجماع، و أيضا أنّ أبا حنيفة يقبل شهادته قبل الحدّ فبعده و قد تاب و حسنت حاله أولى و أيضا الكافر إذا قذف بالزّنا غيره و فعل أيضا من أنواع المحرّمات و يتوب عن الكفر تقبل شهادته بالإجماع فالتّائب من القذف وحده أولى.
و ما أجاب به في الكشاف من أنّ المسلمين لا يعبأون بسب الكفّار لأنّهم شهروا بعداوتهم و الطّعن فيهم بالباطل فلا يلحق المقذوف بقذف الكافر من الشّنار ما يلحقه بقذف مسلم مثله فشدّد على القاذف من المسلمين. فلا يخفى ما فيه من التّكلّف الّذي لا يجدى نفعا مع قوله (صلى اللّه عليه و آله و سلم): لهم ما للمسلمين و عليهم ما على المسلمين.