مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ٢٤٩
فلا تبذلها عند الطّلب كأنّه يريد إخفاءها منه تعالى فكأنّه لا يعلم انّ اللّه يعلمها و الّا لم يكن للكتمان وجه.
أو المراد كتمها من عباد اللّه على حذف المضاف و يحتمل أن يكون صفة أخرى لشهادة و السّبب و ان كان خاصّا على ما عرفت الّا أنّ العبرة بعموم اللّفظ فيمكن الاستدلال بها على تحريم كتمان الشّهادة مطلقا كما يمكن الاستدلال بها على تحريم كتمان الحكم و الإفتاء ممّن له أهليّة ذلك و لا مانع له بقوله.
«إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مٰا أَنْزَلْنٰا مِنَ الْبَيِّنٰاتِ وَ الْهُدىٰ» نزلت في أحبار اليهود و النّصارى الّذين كتموا أمر محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و نبوّته و هم يجدونه مكتوبا في التّوراة و الإنجيل مبيّنا فيهما فقيل، هم المراد و قيل: انّه متناول لكلّ من كتم ما انزل اللّه و هو الأقوى لأنّ العبرة بعموم اللّفظ لا بخصوص السّبب.
«مِنْ بَعْدِ مٰا بَيَّنّٰاهُ لِلنّٰاسِ فِي الْكِتٰابِ» اى الكتب المنزلة من عند اللّه اىّ كتاب كان و قيل هو التّوراة و قيل هو القرآن.
«أُولٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللّٰهُ» يبعّدهم من رحمته بإيجاب العقوبة عليهم «وَ يَلْعَنُهُمُ اللّٰاعِنُونَ» اى من يأتي منه اللّعن و المراد انّه يدعوا عليهم بالبعد عن رحمة اللّه و اللّاعنون هم المسلمون أنسا و جنّا أو الكفّار أيضا باعتبار لعنهم ذلك الشّخص في الآخرة كما ورد ذلك أو البهائم أيضا بأن يلهمهم اللّه الدّعاء عليهم باللّعنة بل كلّ مخلوق على ما قيل.
قال في مجمع البيان: و في هذه الآية دلالة على أن كتمان الحقّ مع الحاجة الى إظهاره من الكبائر و يدخل في ذلك تحريم كتمان شيء من علوم الدّين أيضا و أنّه بمثابتهم في عظم الجرم و يلزمه كما لزمهم من الوعيد.
و قد روى عن النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) انّه قال: من سئل عن علم فكتمه ألجمه اللّه يوم القيامة بلجام من نار. ثمّ قال أيضا: و فيها دلالة على وجوب الدّعاء الى التّوحيد و العدل لأنّ في كتاب اللّه ما يدلّ عليهما تأكيدا لما في العقول من الأدلّة.