مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ١٣٣ - القسم الأول
تسلكونها من أرض إلى أرض لتبلغوا منافعها و ما لكم فيها من الحوائج «وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً» مطرا «فَأَخْرَجْنٰا بِهِ» عدل من لفظ الغيبة إلى صيغة التّكلّم تنبيها على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال القدرة و إيذانا بأنّه مطلع فتنقاد الأشياء المختلفة لمشيّته.
و نحوه قوله «وَ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً فَأَخْرَجْنٰا بِهِ نَبٰاتَ كُلِّ شَيْءٍ» و مثله في القرآن كثير.
«أَزْوٰاجاً» أصنافا سمّيت بذلك لازدواجها و اقتران بعضها ببعض «مِنْ نَبٰاتٍ» بيان أزواج و كذلك قوله «شَتّٰى» و يحتمل أن يكون صفة للنّبات، إذ النّبات مصدر في الأصل يستوي فيه الواحد و الجمع و هو جمع شتيت كمريض و مرضى، بمعنى أنّها متفرّقات في الصور و الاعراض من الطّعم و اللّون و الرّائحة و الشّكل و في المنافع بعضها يصلح للنّاس و بعضها للبهائم.
«كُلُوا وَ ارْعَوْا أَنْعٰامَكُمْ» حال من ضمير «أخرجنا» على ارادة القول أي أخرجنا أصناف النّبات قائلين كلوا و ارعوا انعامكم و المعنى معدّ بها لانتفاعكم بالأكل و العلف، و حملها على الاستئناف أو انّها مفعول له لا يخلو من عدم استقامة.
«إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيٰاتٍ لِأُولِي النُّهىٰ» اى فيما خلقنا و أخرجنا دلائل واضحة لذوي العقول الناهية عن اتّباع الباطل و ارتكاب القبائح جمع نهية بالضّمّ و هو العقل لأنّه ينهى عن القبيح.
و جوّز أبو علىّ أن يكون مصدرا كالهدي، و خصّهم بالذّكر، لأنّهم أهل الفكر و الاعتبار فيستدلّون بها على وجود الصّانع و صفاته من العلم و القدرة و الإرادة و الحكمة و يتأمّلون في حصول هذه النّباتات من الأرض الغبراء بسقي الماء و وجود حكم فيها و انّ بعضها سمّ قاتل و بعضها نافع شاف و بعضها طعام و بعضها فاكهة و بعضها للدواب.
و فيها دلالة على إباحة الأرض بما فيها من النّبات و المأكل لكل انسان بالتّصرف فيها لنفسه و لأنعامه لانّه تعالى إذا أباح الأكل أباح سائر وجوه الانتفاع و من نعم