مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ١٣٢ - القسم الأول
و لا يقربوا النّساء و الطّيب و يرفضوا لذّات الدّنيا، و يلبسوا المسوح اى الصّوف، و يسيحوا في الأرض.
فبلغ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) ذلك فقال لهم: انّي لم اومر بذلك، انّ لأنفسكم عليكم حقّا فصوموا و أفطروا و ناموا و قوموا فانّى أقوم و أنام و أصوم و أفطر و آكل اللّحم و الدّسم و آتى النّساء فمن رغب عن سنّتي فليس منّى فنزلت الآية.
و يحتمل ان يكون الإضافة بيانيّة أي لا تحرّموا ما أحلّ اللّه. و بعد ما أسلفنا اندفع قول القاضي: انّه لو لم يقع الرّزق على الحرام لم يكن لذكر الحلال فائدة زائدة فانّا أوّلا نمنع كون كلّ ما يذكر له فائدة زائدة و لم لا يكفى بمجرّد الفائدة سلّمنا لكنّها هنا موجودة و هي الإشارة الى انّ ذلك حلال قد رزقكم اللّه فلا معني لتحريمه و الاجتناب عنه كما بيّنا من كون القيد للكشف و البيان و يجوز أيضا أن يكون المراد بيان عدم معقوليّة الاجتناب و انّ ذلك الوصف هو الباعث لمذمّة التّارك المجتنب.
«وَ لٰا تَعْتَدُوا إِنَّ اللّٰهَ لٰا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ» اى لا تتجاوزوا حدود اللّه بجعل الحلال حراما و الحرام حلالا فانّ ذلك تجاوز عن حدوده و اعتقاد مخالف للشريعة فيكون النهي عنه بتجاوز الحدود في اجتناب الحلال على طريق اعتقاد التّحريم أو المرجوحيّة، و حينئذ فلا تنافي كون تركه للزّهد أو لوجه آخر راجح على العقل كعدم الكسل في العبادة و عدم قساوة القلب، و إصلاح النّفس و تذليلها، فإنّه ممّا لا قصور فيه بل هو مندوب اليه و من ثمّ نقل عنه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) انّه ما أكل من الحنطة و ما شبع من الشّعير، و زهد أمير المؤمنين علىّ بن أبى طالب (عليه السلام) قد بلغ الغاية.
و ممّا يدلّ على أصالة إباحة ما ينتفع به قوله تعالى «الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً» اى كالمهد تمتهدونها فهي محلّ لراحتكم كالمهد للصّبيّ و هو مصدر سمّى به و قرئ مهادا اسم لما يمهد به كالفراش أو جمع مهد.
«وَ سَلَكَ لَكُمْ فِيهٰا سُبُلًا» و جعل لكم فيها طرقا بين الجبال و الأودية و البراري