مبلغ النظر في حكم قاصد الأربعة - السيد بحر العلوم - الصفحة ٤١٩
الوهن مع أنّ احتمال استناد القصر إلى الرجوع لليوم يكشف عن وجود منشأ لذلك معهود عند السلف معلوم في الصدر الأوّل و أنّ المتأخّرين قد أخذوا هذا الشرط عن قدمائهم و تلقّوه يداً بيد. و قد علمت ممّا تقدّم في عنوان هذه الأخبار أنّا نكتفي بالإشعار و هو أدنى مراتب هذا الخبر كما هو ظاهر لمن أمعن النظر.
فإن قيل [١]: هذا خبر ضعيف مرسل مروي من طرق أهل الخلاف فلا يصحّ الاستناد إليه في إثبات حكم شرعي، و مع ذلك فهو غير متعلّق بالمطلب، لأنّ النخيلة كما سبق هي معسكر الكوفة فيبعد بُعدها عنه بالبريد، و فيما مضى من مشيه (عليه السلام) إليها راجلًا دلالة على الاتصال أو القرب و أقصى البُعد المحتمل أن يكون على نحو فرسخ من الكوفة و لا يجوز القصر في مثله إجماعاً، فالرواية متروكة خارجة عن موضع البحث. و قد روى نصر بن مزاحم [٢] بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي الكنود قال: لمّا أراد عليّ (عليه السلام) الشخوص من النخيلة إلى حرب الشام قام في الناس و خطبهم إلى أن قال: فخرج (عليه السلام) حتّى إذا جاز حدّ الكوفة صلّى ركعتين .. الحديث، و هو يقتضي دخول النخيلة في حدود الكوفة فكيف يكون بينها و بين الكوفة بريد أربعة فراسخ.
قلنا: أمّا الضعف و الإرسال فلا يقدحان في الاستشهاد هنا و لا في الاستدلال، و كذا ورود الحديث من طرق أهل الخلاف فإنّ مضمونه مطابق لفتوى المشهور مخالف لمذاهب الجمهور فهو منجبر بهما، و أهل الخلاف لا يتهمون في رواياتهم لما يوافق مذهبنا و يخالف مذهبهم، و قد روي [٣] عنهم (عليهم السلام) جواز الأخذ و التمسّك بما يرويه المخالفون عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، و هذا من ذاك، مع أنّ الفقه من باب الظنون و لاجتماع المؤيّدات و الشواهد في ذلك أثر بيّن و تقوية ظاهرة، و قد
[١] كما في المصابيح لبحر العلوم: ص ١٠٨ السطر الأخير (مخطوط في مكتبة المرعشي برقم ٧٠٠٨).
[٢] وقعة صفين: في خروج عليّ (عليه السلام) من النخيلة ص ١٣١ ١٣٣.
[٣] وسائل الشيعة: ب ٨ من أبواب صفات القاضي ح ٤٧ ج ١٨ ص ٦٤.