مبلغ النظر في حكم قاصد الأربعة - السيد بحر العلوم - الصفحة ٣٩٧

و بالجملة: فالدلالة على تحقّق الرجوع حاصلة من جهات متعددة متأكّدة، و مجرّد إطلاق البريد لا يقوّي على معارضتها فضلًا عن أن ترجّح عليها، و ليس هذا الإطلاق على ما ظنّ به من القوّة فإنّ الرجوع هو الكثير الغالب، فيحسن ترك التقييد به اعتماداً على الظهور، و لعلّ سكوته (عليه السلام) على البريد أوّلًا لذلك لا لإرادة العموم فلا ينافي التعليل الظاهر في الخصوص، هذا مع قطع النظر عن الأدلّة الكثيرة الدالّة على اشتراط الرجوع، و أمّا معها فلا ينبغي الشكّ في تقييد هذا الإطلاق، و إذا ثبت اشتراط الرجوع في البريد و تحقّقه كان المتحقّق هو الرجوع لليوم، لما عرفت من تقييد الرجوع الواقع شرطاً بمقتضى الجزاء الظاهر في شغل اليوم بالفعل، و معلوم أنّ تحقّق المقيّد يستلزم تحقّق القيد، و المعترض قد سلّم هنا تقييد الرجوع بالواقع في اليوم، و إنّما منع دلالة الحديث على تحقّق الرجوع لصدق الشرطية بدونه، فبعد ثبوت تحقّقه لا مجال له في خصوص القيد.

و جملة القول في الحديث: أنّه يحتمل وجوهاً ثلاثة مختلفة في القوّة و الضعف:

أحدها: الاكتفاء بالبريد أخذاً بإطلاقه في صدر الكلام و حملًا للتعليل على التقريب إلى الأفهام بجعل شغل اليوم كناية عن المشقّة الّتي هي علّة تقريبية للقصر، و هذا أضعف الوجوه.

و ثانيها: اشتراط الرجوع مطلقاً و إن لم يكن ليومه تقييداً لإطلاق البريد بالتعليل الظاهر في اشتراط الرجوع و حملًا لشغل اليوم فيه على مطلق الشغل دون الشغل بالفعل لما تقدّم من الوجوه و منها بقاء المفهوم على العموم، و هو أقرب من سابقة.

و ثالثها: اشتراط الرجوع لليوم تقييداً لإطلاق البريد بظاهر التعليل و لإطلاق الرجوع فيه بما دلّ منه على شغل اليوم بالفعل مع تقييد إطلاق المفهوم بالسير الملفّق، فهذا الوجه يتقوّم بالتقييد من ثلاثة وجوه، و هو أقرب الوجوه الثلاثة و أنسبها بقواعدهم في حمل المطلق على المقيّد و ترجيح التقييد على المجاز و نحوه عند التعارض، مع ما في تلك الإطلاقات من الضعف كما نبّهنا عليه. و قد ظهر لك