مبلغ النظر في حكم قاصد الأربعة - السيد بحر العلوم - الصفحة ٣٥٦

«المنتقى [١]» و هو بعيد.

و الحديث دليل اشتراط الرجوع و عدم اشتراط الرجوع ليومه.

و التقريب في الأوّل من وجهين:

أحدهما: قوله (عليه السلام) «بريد ذاهب و بريد جائي» في جواب السؤال عن التقصير، و المراد الاستفهام عن مسافة القصر، فإنّ الظاهر منه تحديد المسافة بمجموع البريدين من باب تحديد المركّب بأجزائه كما يقال: السكنجبين خلّ و عسل و البيت سقف و جدران و الكرّ ألف و مائتا رطل و الوضوء غسلتان و مسحتان إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة الشائعة في اللغة و العرف و الشرع، و ليس المراد أنّ المسافة كلّ من بريدي الذهاب و الإياب على أن يكون تحديداً للماهية بأقسامها كما في قولهم: الكلمة اسم و فعل و حرف و الطهارة و ضوء و غسل و تيمّم إذا قصد بهما الرسم دون التقسيم، فإنّه مع كونه قليلًا محتاجاً إلى التأويل إنّما يحسن في التعريف بالأنواع المعروفة المتميّزة كما في المثالين المذكورين، و أفراد المسافة باعتبار الذهاب و الإياب ليست كذلك فإنّها غير معروفة و لا متميّزة بنفسها و إنّما هي أفراد اعتبارية، فالترديد يغني عنها لانسحابه في جميع أفراده و ليس للتعرّض لها بالخصوص فائدة يعتدّ بها، فتعيّن أن يراد بالكلام معناه الظاهر المتبادر و هو التلفيق الملزوم لاشتراط الرجوع.

و ثانيهما: قوله (عليه السلام) «و إنّما فعل ذلك لأنّه إذا رجع كان سفره بريدين ثمانية فراسخ» فإنّ هذا التعليل قاضٍ بأنّ المسافة الموجبة للقصر هي البريدان ثمانية فراسخ و أنّ التقصير في الأربعة إنّما وجب لصيرورتها بالرجوع ثمانية أو في قوتها في إيجاب القصر، فالعلّة مناط الحكم على ما هو الأصل في العلل و ليست بمجرّد التقريب كتعليل القصر بالمشقّة كما قد يتوهّم حتّى يجوز تخلّف الحكم عنها بأن يثبت القصر في الأربعة و إن لم يقصد الرجوع، لأنّ الأربعة لو كانت مسافة بنفسها


[١] منتقى الجمان: في صلاة السفر ج ٢ ص ١٧١ ١٧٢.