مبلغ النظر في حكم قاصد الأربعة - السيد بحر العلوم - الصفحة ٣٥٧

لا باعتبار الرجوع لكان التحديد بالثمانية ساقطاً (ظ) من أصله، فلا يصحّ التعليل بها لا تحقيقاً و لا تقريباً، فإنّ التقريب لا يكون إلَّا بأمرٍ ثابت.

و أمّا الثاني فالوجه فيه إطلاق المجيء و الرجوع المتناول للقسمين مع شيوع الرجوع لغير اليوم فلا يختصّ باليوم، و أنّ الرجوع الواقع في التعليل لو قيّد بخصوص اليوم لكان المعنى لأنّه لو رجع ليومه كان سفره بريدين ثمانية فراسخ، و مفاده أنّه لو رجع لغيره لم يكن كذلك، و هو فاسد فإنّ الثمانية حاصلة على التقديرين، فيمتنع تخصيصها بالأوّل. و أيضاً فالظاهر من قوله (عليه السلام) «و كان رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) إذا أتى ذباباً قصّر» أنّ ذلك كان يقع منه و يتكرّر، و من المستبعد أن يكون رجوعه منه ليوم الذهاب دائماً بحيث لم يتفق له غير ذلك أصلًا، مضافاً إلى بعد الرجوع لليوم من أصله خصوصاً من مثله (صلى الله عليه و آله و سلم). و قد اتضح بما قرّرناه دلالة الحديث على المطلبين معاً، بل كاد يكون نصّاً فيهما صريحاً.

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن وهب قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): أدنى ما يقصّر فيه المسافر الصلاة؟ فقال: بريد ذاهباً و بريد جائياً [١]. و التقريب فيه من تبادر التلفيق و إطلاق المجيء كما ظهر ممّا سبق.

و إنّما كان ذلك أدنى ما يقصّر فيه الصلاة لأنّ حدّ التقصير بريدان أو بريد ذاهباً و بريد جائياً، و الثاني أقلّ الحدّين، لأنّ التلفيق لا يخرج البريد عن كونه بريداً، و لأنّ حدّ القصر و هو ما يتحقّق فيه ذلك ثمانية فراسخ، و الثمانية الملفّقة داخلة في مطلق الثمانية فيكون من جملة الأقلّ، و إنّما اقتصر عليها لأنّ ثبوت التقصير فيها يستلزم ثبوته في الثمانية الامتدادية بخلاف العكس.

و احتجّ الشيخ [٢] و جماعة [٣] بهذا الحديث على اشتراط الرجوع ليومه و هو غير


[١] تهذيب الأحكام: في الصلاة في السفر ح ٤٩٦ ج ٣ ص ٢٠٨.

[٢] تهذيب الأحكام: ب ٢٣ في الصلاة في السفر ذيل ح ٤ ج ٣ ص ٢٠٧.

[٣] منهم العلّامة في مختلف الشيعة: في صلاة المسافر ج ٣ ص ١٠٤، و الشهيد الأوّل في الذكرى: في صلاة السفر ج ٤ ص ٣١١، و الشهيد الثاني في الروض: في صلاة السفر ص ٣٨٣ س ٢٧.