مبلغ النظر في حكم قاصد الأربعة - السيد بحر العلوم - الصفحة ٤١٤
ما عند اللّٰه فانتدبوا إليهم حتّى تلاقوهم فإن أصبتم منهم طرفاً فانكلوهم عن العراق، ثمّ سكت رجاء أن يجيبوه أو يتكلّم منهم متكلّم بخير، فلمّا رأى صمتهم على ما في أنفسهم خرج بنفسه ماشياً حتّى أتى النخيلة، فأدركه الناس فقالوا: نحن نكفيكهم، فقال (عليه السلام): و اللّٰه ما تكفوني أنفسكم فكيف تكفوني غيركم. و في رواية اخرى [١]: خرج يمشي راجلًا حتّى أتى النخيلة و الناس يمشون معه حتّى أحاط به قوم من أشرافهم فلم يزالوا به حتّى صرفوه إلى منزله و هو واجم كئيب.
فهذه الرواية قاضية بأنّ النخيلة لم يبلع البُعد بها عن الكوفة بمقدار بريدين مسيرة يوم، و كيف يترك الناس أمير المؤمنين (عليه السلام) و إمام المسلمين يمشي إليها راجلًا و لا يردّونه من الطريق و هي بهذه المثابة من البُعد.
و أظنّ أنّ النخيلة هي هذا الموضع المعروف اليوم بالكِفل أو فوقه بقليل للخارج من الكوفة فإنّه محلّ واقع في طريق المسافر منها إلى الشام، و الطريق منها يمرّ على الطفّ و به آثار قديمة باقية إلى الآن، و المسافة بينه و بين الكوفة للخارج من أطراف المساجد و أوساط البلد يوشك أن يكون بريداً.
و يشهد لذلك ما رواه نصر بن مزاحم في كتاب «صفين [٢]» بإسناده عن الأصبغ ابن نباتة قال: مرّت جنازة على عليّ (عليه السلام) و هو بالنخيلة، فقال: ما يقول الناس في هذا القبر؟ و في النخيلة قبر عظيم يدفن اليهود موتاهم حوله فقال الحسن بن عليّ (عليهما السلام): يقولون هذا قبر هود النبيّ (عليه السلام) لمّا أن عصاه قومه جاء فمات هاهنا. فقال: كذبوا لأنا أعلم به منهم، هذا قبر يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم بكر يعقوب، ثمّ قال: هاهنا أحد من مهرة [١] قال: فاتي بشيخ كبير فقال: أين منزلك؟
[١] مهرة بن حيدان بالفتح: حيُّ، و الإبل المهرية منه. (القاموس المحيط: ج ٢ ص ١٣٧ مادّة «مهر»).
[١] شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج ٢ ص ٨٧ ٨٨.
[٢] وقعة صفين: ص ١٢٦ ١٢٧.