مبلغ النظر في حكم قاصد الأربعة - السيد بحر العلوم - الصفحة ٣٨٤

به لنفسه، و اعتذر عنه أصحابه [١] تارةً بأنّه اتّخذ الأموال بالطائف و أراد أن يقيم بها فصلّى بمنى أربعاً و اخرى بأنّه صلّى أربعاً، لأنّه أجمع على الإقامة بعد الحجّ، و قال بعضهم [٢]: إنّه إنّما أتمّ بها من أجل أنّ الأعراب كثروا فصلّى أربعاً يعلمهم أنّ الصلاة أربعاً. فانظر إلى هذه المعاذير و ما فيها من التدافع و التلاعب، وهب أنّها سوّغت له الإتمام لوجوب سببه فما الباعث على حمل الناس على ذلك؟ و ما الحامل لهم على متابعته مع اختصاص أكثر هذه الأعذار به.

و ما تضمّنته هذه الأخبار من الإنكار و الاعتذار لا يمنع من حمل الأمر بالإتمام على التقيّة، فإنّ التقيّة كما تكون من فتوى أرباب المذاهب المعروفة في زمن الصدور فكذا قد يكون من عمل ذوي الشوكة و إن علموا خلافه، بل هؤلاء أولىٰ بأن يخشوا و يتّقوا، و التقيّة من أصحاب المذاهب راجعة إلى التقيّة منهم حيث إنّهم يتديّنون بها و يرجعون إليها، فإذا كان عملهم على خلافها كان ذلك هو موضع التقيّة دون غيره، و يظهر ذلك ما ورد في طهارة الخمر و متعة الحجّ و نحوهما ممّا خالف فيه المذهب العمل فلا تغفل.

الرواية الثانية: ما رواه الشيخ (رحمه الله) في باب الصلاة في السفينة من أبواب زيادات «التهذيب» في الصحيح عن أبي ولّاد قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): إنّي كنت خرجت من الكوفة في سفينة إلى قصر ابن هبيرة و هو من الكوفة على نحوٍ من عشرين فرسخاً في الماء فسرت يومي ذلك اقصّر الصلاة ثمّ بدا لي في الليل الرجوع إلى الكوفة فلم أدر اصلّي في رجوعي بتقصير أم بتمام؟ و كيف كان ينبغي أن أصنع؟ فقال: إن كنت سرت في يومك الّذي خرجت فيه بريداً فكان عليك حين رجعت أن تصلّي بالتقصير، لأنّك كنت مسافراً إلى أن تصير إلى منزلك، قال: و إن كنت لم تسر في يومك الّذي خرجت فيه بريداً فإنّ عليك أن تقضي كلّ صلاة


[١] كما في سنن أبي داود: ج ٢ ص ١٩٩.

[٢] منهم النسائي في الحاشية: ج ٣ ص ١٢٠ ١٢١.