مبلغ النظر في حكم قاصد الأربعة - السيد بحر العلوم - الصفحة ٣٧١

و الوجه في الحديث حمله على حجّتهم مع النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) حال إقامته بمكّة قبل الهجرة دون حجّة الوداع، فقد جاء في عدّة أخبار [١] أنّه حجّ بها قبل أن يهاجر عشر حجج أو عشرين حجّة و أنّه حجّ من المدينة حجّة واحدة هي حجّة الوداع، و في بعضها [٢]: «و لم يحجّ حجّة الوداع إلَّا و قد حجّ قبلها» أو يحمل على أنّه (عليه السلام) أمر أهل مكّة في حجّة الوداع بالتقصير، فكان وجوب التقصير عليهم لأجل أمره لا للتأسّي.

و معنى قوله (عليه السلام) «كأنّهم لم يحجّوا مع رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) فقصّروا» أنّهم لم يحجّوا معه فقصّروا امتثالًا لأمره إيّاهم لا اتّباعاً لما فعله من القصر. و في كلا الوجهين بُعدٌ لكن لا مندوحة عنهما في رفع الإشكال.

و ما رواه المفيد في «المقنعة» في باب زيادات فقه الحجّ في جملة أخبار رواها و اعتمدها في الباب قال: قال (عليه السلام): ويلٌ لهؤلاء القوم الّذين يتمّون الصلاة بعرفات أما يخافون اللّٰه؟ فقيل له: فهو سفر؟ فقال: و أيّ سفر أشدّ منه [٣].

فهذه الأحاديث كما ترى دلّت على وجوب التقصير على أهل مكّة إذا ذهبوا إلى عرفات بطرق متعدّدة و وجوه معتمدة من الأمر بالتقصير و النهي عن الإتمام و التوبيخ عليه و الدعاء عليهم بالويل و تخطئتهم بالفعل و قوله (عليه السلام) «أما يخافون اللّٰه، و كأنّهم لم يحجّوا مع رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم)، و أيّ سفر أشدّ منه» و قد اجتمع في جملة منها وجهان ممّا ذكر و أكثر، و في البعض بلاغ في تأدية المطلب و توفية المقصد، و هي مع ذلك صحيحة الإسناد و معتضدة بقرينة الاعتماد.

و معلوم أنّ المسافة ما بين مكّة و عرفة لا تبلغ ثمانية فراسخ كما تشهد به المشاهدة و العيان فضلًا عن المساحة و الامتحان و لا ينقص عن الأربعة، لأنّ


[١] وسائل الشيعة: ب ٤٥ من أبواب وجوب الحجّ و شرائطه ح ٥ و ٦ و ٧ ج ٨ ص ٨٨.

[٢] المصدر السابق: ح ١٩ ج ٨ ص ٩١ و ج ١١ ص ٨٩.

[٣] المقنعة: باب ٩ من الزيادات في فقه الحجّ ص ٤٤٨.