مبلغ النظر في حكم قاصد الأربعة - السيد بحر العلوم - الصفحة ٣٧٧

اختصاصه بمنى حال الرجوع كما يدلّ عليه مفهوم قوله (عليه السلام) «حتّى ينفر» و إطلاق قوله «فإذا خرج إلى منى وجب عليه التقصير».

الثاني: الإتمام بمكّة و منى لاختصاصهما بالتخيير من بين مواضع الحرم. و يدلّ عليه ما رواه الشيخ في الصحيح عن عليّ بن مهزيار قال: كتبت إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام) أنّ الرواية قد اختلفت عن آبائك في الإتمام و التقصير للصلاة في الحرمين، فمنها أن يأمر بتتميم الصلاة و لو صلاة واحدة، و منها أن يأمر بتقصير الصلاة ما لم ينو مقام عشرة أيّام، و لم أزل على الإتمام فيهما إلى أن صدرنا في حجّنا من عامنا هذا فإنّ فقهاء أصحابنا أشاروا عليَّ بالتقصير إذا كنت لا أنوي مقام عشرة أيّام، فصرت إلى التقصير، و قد ضقت بذلك حتّى أعرف رأيك؟ فكتب إليَّ بخطّه: قد علمت يرحمك اللّٰه فضل الصلاة في الحرمين على غيرهما فأنا أحبّ لك إذا دخلتهما أن لا تقصّر و تكثر فيهما الصلاة. فقلت له بعد ذلك بسنتين مشافهةً: إنّي كتبت إليك بكذا و أجبتني بكذا؟ فقال: نعم. فقلت: و أيّ شيء تعني بالحرمين؟ فقال: مكّة و المدينة و منى، إذا توجّهت من منى فقصّر الصلاة، فإذا انصرفت من عرفات إلى منى و زرت البيت و رجعت إلى منى فأتمّ الصلاة تلك الأيّام الثلاثة، و قال بإصبعه ثلاثاً [١]. و هذا الحديث مع صحّته صريح في أنّ المسافر يتمّ الصلاة بمنى كما يتمّها بمكّة، و ظاهره اختصاص الإتمام بهما من بين مواضع الحرم كما قلنا.

و منى في قوله (عليه السلام) بمكّة و المدينة و منى» بالنون للمكان المعروف لا بالتاء للزمان كما يوجد في بعض النسخ و إلَّا لتوالي الشرطان و لم يلائم صدر الحديث آخره، و على الأوّل فالدلالة في الحديث من وجهين بخلاف الثاني فإنّها من وجه واحد و هو قوله «إذا توجّهت من منى .. إلى آخر الحديث».

و يتوجّه عليه أنّ الكليني (رحمه الله) روى هذا الحديث إلى قوله «مكّة و المدينة» [٢]


[١] تهذيب الأحكام: ب ٢٦ في الزيادات ح ١٤٨٧ ج ٥ ص ٤٢٨.

[٢] الكافي: ح ٨ ج ٤ ص ٥٢٥.