مبلغ النظر في حكم قاصد الأربعة - السيد بحر العلوم - الصفحة ٣٧٦

عرفات، و إذا وجب القصر بذلك على أهل مكّة لكونه سفراً وجب على المقيم أيضاً بل كان المقيم بهذا أولى. و أمّا الحكمان الآخران و هما وجوب الإتمام عليه إذا زار البيت و وجوبه إذا رجع إلى منى ففيهما إشكال، لأنّ حكم المقيم قد انتقض بسفره إلى عرفات كما اقتضاه وجوب القصر عليه في الفرع الأوّل، فلا يتعيّن عليه الإتمام بمكّة، و لا يجوز له ذلك إذا رجع إلى منى بخلاف أهل مكّة المتوطّنين بها، لأنّ سفرهم قد انقطع بالوصول إلى مكّة الّتي هي وطنهم، فكان الإتمام واجباً عليهم فيها و في منى لعدم بلوغها مسافة القصر، لأنّها على فرسخ من مكّة. و مع اختلاف أهل مكّة و المقيم بها في وجود القاطع و عدمه فلا تصحّ التسوية بينهما في الحكم و لا ينزّل أحدهما منزلة الآخر.

و الحديث من المشكلات، و جملة ما قيل أو يقال فيه وجوه ليس شيء منها بشيء:

الأوّل: إنّ وجه الإتمام في حقّ المقيم بمكّة و منى أنّ مكّة من مواضع التخيير و كذا منى، لأنّها من الحرم و التخيير يعمّ الحرم كلّه و لا يختصّ بالمسجد و لا بالبلد على ما ذهب إليه جماعة [١] من الأصحاب و دلّت عليه جملة من الأخبار [٢]. و الحديث و إن دلّ في ظاهره على وجوب الإتمام بها عيناً إلَّا أنّه محمول على التخيير و أفضلية التمام جمعاً بينه و بين ما دلّ على وجوب القصر.

و فيه: أنّ الكلام في الحكم المترتّب على المنزلة الثانية للمقيم باعتبار الإقامة و هو الوجوب العيني لا التخييري، و التخيير بين القصر و الإتمام في هذه المواطن ثبت للمسافر مطلقاً أقام فيها أم لم يقم، فلا تكون الإقامة مؤثّرة فيه، على أنّ الإتمام بمنى لو كان لثبوته في مطلق الحرم لثبت قبل النفر و بعده و في منى ذاهباً و راجعاً و في غيرها من مواضع الحرم كالمشعر و غيره، و المستفاد من النصّ


[١] منهم الأردبيلي في مجمع الفائدة و البرهان: في السفر ج ٣ ص ٤٢٥، و السيّد في المدارك: في صلاة المسافر ج ٤ ص ٤٦٨، و السبزواري في الذخيرة: في السفر ص ٤١٣ س ٣٠.

[٢] وسائل الشيعة: ب ٢٥ من أبواب صلاة المسافر ح ١ و ٢٤ ج ٥ ص ٥٤٣ و ٥٤٨.