فلسفتنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٢٨٨ - محاولات الماركسيّة للاستدلال على ديالكتيك الفكر
الأمثلة التي لا تنسجم معه ، في زعمها ، وبالتالي وضعت التناقض والصراع بين النقائض والأضداد قاعدة لمنطقها الجديد ، وملأت الدنيا ضجيجاً بهذه القاعدة وتبجّحاً على المنطق البشري العامّ بابتكارها أو اكتشافها .
ولأجل أن نتبيّن مدى الخطأ الذي وقعت فيه الماركسية ، والذي دفعها إلى رفض مبدأ عدم التناقض ، وما يقوم عليه من مبادئ عامة للمنطق الميتافيزيقي ، يجب أن نفرّق بوضوح بين أمرين : أحدهما الصراع بين أضداد ونقائض خارجية ، والآخر الصراع بين أضداد ونقائض مجتمعة في وحدة معيّنة . فالثاني هو الذي يتنافى مع مبدأ عدم التناقض . وأمّا الأوّل فلا علاقة له بالتناقض مطلقاً . لأنّه لا يعني اجتماع النقيضين أو الضدّين ، بل مردّه إلى وجود كلّ منهما بصورة مستقلّة . وقيام كفاح بينهما يؤدّي إلى نتيجة معيّنة . فشكل الشاطئ ـ مثلاً ـ نتج عن فعل متبادل بين أمواج الماء وتيّاراته التي تصطدم بالأرض فتقرض الضفة من ناحية وصمود الأرض في وجه التيار ، ودفعها لتلك الأمواج إلى درجة معيّنة من ناحية أخرى . وشكل الإناء من الخزف نتج عن عملية قامت بين كتلة من الطين ، ويد الخزّاف .
فإن كانت المادّية الديالكتيكية تعني هذا اللون من الصراع بين الأضداد الخارجية ، فهذا لا يتعارض مطلقاً مع مبدأ عدم التناقض ، ولا يدعو إلى الإيمان بالتناقض الذي قام الفكر البشري منذ نشأ على رفضه ؛ لأنّ الأضداد لم تجتمع في وحدة ، وإنّما وجد كلّ منهما بوجود مستقلّ في مجاله الخاصّ ، واشتركا في عمل متبادل ، حصلا به على نتيجة معيّنة ، وأيضاً فهو لا يبرّر الاكتفاء الذاتي ، والاستغناء عن سبب خارجي . فشكل الشاطئ أو شكل الإناء لم يتحدّد ولم يوجد بتطوّر قائم على أساس التناقضات الداخلية ، وإنّما حصل بعملية خارجية ، حقّقها ضدّان مستقلاّن .