فلسفتنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٢٨٤ - محاولات الماركسيّة للاستدلال على ديالكتيك الفكر
ولم يحاول الماركسيون أن يبرهنوا على تناقضات الأشياء ، أي : على قانون الديالكتيك وأساسه الجدلي ، إلاّ بحشد من الأمثلة والظواهر التي حاولوا أن يبرزوا بها تناقضات الطبيعة وجدلها . فالتناقض إنّما كان من قوانين المنطق الديالكتيكي ؛ لأنّ الطبيعة بنفسها متناقضة وديالكتيكية ، بدليل ما يقدّم لنا الحسّ ، أو يكشف عنه العلم من ضروب التناقض التي تطيح بمبدأ عدم التناقض ، وتجعله غير منسجم مع واقع الطبيعة وقوانينها الحاكمة في مختلف ميادينها ومجالاتها .
وقد ألمعنا سابقاً إلى أنّ الماركسية لم تجد سبيلاً لديناميكية الطبيعة ، وجعل القوى الفعّالة للحركة محتوىً داخلياً لنفس المادّة المتطوّرة ، إلاّ بأن تنطلق من التناقض ، وتؤمن باجتماع النقائض في وحدة متطوّرة تبعاً لنضال تلك النقائض وصراعها .
فالمسألة في نظر الماركسية ذات حدّين لا ثالث لهما : فإمّا أن نصوغ فكرتنا عن العالم على المبدأ القائل بعدم التناقض ، فلا يوجد النفي والإثبات في صميم الأشياء ، ولا يقوم فيها صراع المتناقضات ، وبالتالي يتعيّن أن نفحص عن رصيد الحركة والتطوّر في سبب أعلى من الطبيعة وتطوّراتها .
وإمّا أن نشيد منطقنا على الاعتقاد بنفوذ التناقض إلى صميم الأشياء ، وتوحّد الأضداد أو النفي والإثبات [١] في كلّ كائن ، فنكون بذلك قد وجدنا سرّ
[١] يلاحظ في جميع النصوص الماركسية : أنّها تسيء استعمال كلمتي : (التناقض) و(التضادّ) فتعتبرهما بمعنى واحد ، مع أنّ الكلمتين ليستا مرتادفتين في المصطلحات الفلسفية ؛ فإنّ التناقض هي حالة النفي والإثبات . والتضادّ يعني : إثباتين متعاكسين . فاستقامة الخطّ وعدم استقامته نقيضان ؛ لأنّهما من النفي والإثبات . وأمّا استقامة الخطّ وانحناؤه فهما ضدّان ، ولا يصدق عليهما التناقض بمفهومه الفلسفي ؛ لأنّ كلاً من الاستقامة
←