فلسفتنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٤٣٠ - المنعكس الشرطي والإدراك
الثانوية في النظام الإشاري الثاني .
هذه هي نظرية العالم الفيزيولوجي (بافلوف) . وقد استغلّته السلوكية ، فزعمت أنّ الحياة العقلية لا تعدو أن تكون عبارة عن أفعال منعكسة . فالتفكير يتركّب من استجابات كلامية باطنة ، يثيرها منبّه خارجي . وهكذا فسّرت الفكر كما تفسّر عملية إفراز لكلّب لعابه ، عند سماعه خطوات الخادم ، فكما أنّ الإفراز ردّ الفعل الفيزيولوجي لمنبّه شرطي ، وهو خطى الخادم ، كذلك الفكر هو ردّ الفعل الفيزيولوجي لمنبّه شرطي ، كاللغة التي أشرطت بالمنبّه الطبيعي مثلاً .
ولكن من الواضح : أنّ التجارب الفيزيولوجية على الفعل المنعكس الشرطي لا يمكنها أن تبرهن على أنّ الفعل المنعكس هو حقيقة الإدراك ، والمحتوى الحقيقي للعمليات ، ما دام من الجائز أن يكون للإدراك حقيقة وراء حدود التجربة .
أضف إلى ذلك أنّ السلوكية في رأيها هذا ـ القائل بأنّ الأفكار استجابات شرطية ـ تقضي على نفسها وتنزع القدرة على الكشف عن الواقع والقيمة الموضوعية ، لا من سائر الأفكار فحسب ، بل من السلوكية ذاتها ـ أيضاً ـ بوصفها فكرة تخضع للتفسير السلوكي ؛ لأنّ تفسير السلوكية للفكر الإنساني له أثره الخطير في نظرية المعرفة ، وتقدير قيمتها ، ومدى قدرتها على استكشاف الواقع . فالمعرفة ـ كلّ معرفة ـ لا تعدو وفقاً للتفسير السلوكي أن تكون استجابة حتمية لمنبّه شرطي كسيلان اللعاب من فم الكلب في تجارب بافلوف ، وليست نتيجة للاستدلال والبرهان ، وبالتالي تصبح كلّ معرفة تعبيراً عن وجود منبّه شرطي لها لا عن وجود مضمونها في الواقع الخارجي ، والفكرة السلوكية نفسها لا تشذّ عن هذه القاعدة العامّة ، ولا تختلف عن كلّ الأفكار الأخرى في تأثّرها بالتفسير السلوكي ، وسقوط قيمتها ، وعدم إمكان دراستها بأيّ لون من الألوان .