فلسفتنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٤٣١ - المنعكس الشرطي والإدراك
والواقع : هو عكس ما رامته السلوكية تماماً ، فليس الإدراك والفكر فعلاً فيزيولوجياً ينعكس عن منبّه شرطي نظير إفراز اللعاب ، كما يزعم السلوكيون ، بل نفس إفراز اللعاب هذا يعني شيئاً غير مجرّد ردّ الفعل المنعكس ، يعني إدراكاً ، وهذا الإدراك هو السبب في إثارة المنبّه الشرطي للاستجابة المنعكسة . فالإدراك هو الحقيقة التي نتبيّنها وراء ردود فعل المنبّه الشرطي ، وليس لونا من ألوان تلك الردود ، ونعني بهذا : أنّ إفراز الكلب لعابه عند حدوث المنبّه الشرطي لم يكن مجرّد فعل آلي بحت ، كما تعتقد السلوكية ، بل كان نتيجة إدراك الكلب مدلول المنبّه الشرطي . فخطوات الخادم باقترانها مع مجيء الطعام في تجارب متكرّرة أصبحت تدلّ على مجيئه ، وأصبح الكلب يدرك مجيء الطعام عند سماعها ، فيفرز لعابه استعداداً للموقف الذي يبشّر به المنبّه الشرطي . وكذلك الطفل إذ يبدو عليه شيء من الارتياح عند تهيّؤ مرضعته لإرضاعه ، بل عند إخباره بمجيئها إذا كان يملك فهماً لغوياً ؛ فإنّ هذا الارتياح ليس مجرّد فعل فيزيولوجي منعكس عن شيء خارجي ارتبط بالمثير الطبيعي ، بل هو منبثق عن إدراك الطفل مدلول المنبّه الشرطي ، إذ يستعدّ ـ حينئذٍ ـ للارتضاع ، ويشعر بارتياح ، ولذا نجد فرقاً في درجات الارتياح بين الارتياح الذي يثيره المنبّه الطبيعي ، وبين الارتياح الذي تثيره المنبّهات الشرطية ؛ لأجل أنّ ذاك ارتياح أصيل ، وهذا ارتياح الأمل والترقّب .
ويمكننا أن نبرهن علمياً على عدم كفاية التفسير السلوكي للتفكير عن طريق التجارب التي قام على أساسها مذهب (الجشطالت) في علم النفس ؛ إذ برهنت هذه التجارب على أنّ من المستحيل أن نفسّر حقائق الإدراك على أساس سلوكي بحت ، وبوصفها مجرّد استجابات للمنبّهات المادّية التي يتلقّى الدماغ رسائلها في صورة عدد من الدوافع العصبية المتفرّقة ، بل يجب ـ لكي نفسّر حقائق