فلسفتنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٢٧٣ - محاولات الماركسيّة للاستدلال على ديالكتيك الفكر
المادّي البحت للإدراك الذي يفرض اشتراكه مع الطبيعة في جميع قوانينها ونواميسها بما فيها قانون الحركة . وسوف نقوم بتحليل تلك النقطة الأساسية في جزء مستقلّ من هذه المسألة . ولكنّا نحاول أن نتساءل هنا من الماركسيين : هل التفسير المادّي للفكر أو الإدراك يختصّ بأفكار الديالكتيكيين خاصّة ؟ أو يعمّ أفكار غيرهم ممّن لا يؤمن بالديالكتيك أيضاً ؟ فإن كان يعمّ الأفكار كافة ـ كما تحتّمه الفلسفة المادّية ـ وجب أن تخضع جميعاً لقوانين التطوّر العام في المادّة . ويبدو لأجل ذلك من التناقض الطريف أن تتّهم الماركسية الأفكار الأخرى بالجمود والقرار ، وتعتبر فكرها وحده هو الفكر المتطوّر النامي ؛ باعتباره جزءاً من الطبيعة المتطوّرة . مع أنّ الأفكار البشرية جميعاً في المفهوم المادّي ليست إلاّ نتاجاً طبيعياً .
وقصارى ما في الموضوع : أنّ أصحاب المنطق العامّ أو الشكلي ـ كما يزعمون ـ لا يؤمنون بتطوّر الأفكار ديالكتيكياً كما يؤمن الماركسيون . ولكن متى كان الإيمان بقانون من قوانين الطبيعة ، شرطاً من شرائط وجوده ؟! أليس جسم (باستور) المكتشف للميكروب ، وجسم (ابن سينا) الذي لم يكن يعرف عنه شيئاً ، يشتركان معاً في التفاعل مع تلك الجراثيم طبقاً لقوانينها الطبيعة الخاصّة ؟! وهكذا الشأن في كلّ قانون طبيعي . فإذا كان الديالكتيك قانوناً طبيعياً يعمّ الفكر والمادّة معاً ، فهو يسري على الأفكار البشرية على السواء ، وإن كان في اكتشافه شيء ، فهو الإسراع بحركة التطوّر فحسب .
المحاولة الثالثة : استغلال التطوّر والتكامل العلمي في شتّى الميادين ، واعتباره دليلاً تجريبياً على ديالكتيكية الفكر وتطوّره . فتاريخ العلوم ـ في الزعم الماركسي ـ هو بنفسه تاريخ الحركة الديالكتيكية في التفكير البشري المتكامل على مرّ الزمن .