فلسفتنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٢٦٩ - محاولات الماركسيّة للاستدلال على ديالكتيك الفكر
الأشياء الموضوعية مفاهيمها وماهياتها ، والمفهوم الذي ينعكس فيه عن تلك الأشياء يختلف عن الواقع الخارجي في الوجود والخصائص .
فالعالِم يمكنه أن يكوّن فكرة علمية دقيقة عن الميكروب وتركيبه ، ونشاطه الخاصّ وتفاعلاته مع جسم الإنسان ، ولكنّ الفكرة مهما كانت دقيقة ومفصّلة ، لا توجد فيها خواصّ الميكروب الخارجي ، ولا يمكنها أن تؤدّي نفس الدور الذي يؤدّيه واقعها الموضوعي . والفيزيائي قد يكتسب مفهوماً علمياً دقيقاً عن ذرّة الراديوم ، ويحدّد وزنها الذرّي ، وعدد ما تحويه من كهارب ، وشحنات سالبة وموجبة ، وكمّية الإشعاع الذي ينبثق عنها ، ونسبته العلمية الدقيقة إلى الإشعاع الذي ترسله ذرّات الأُورانيوم ، إلى غير ذلك من المعلومات والتفاصيل ... غير أنّ هذا المفهوم مهما تعمّقنا فيه ، أو تعمّق في الكشف عن أسرار عنصر الراديوم ، لن يكتسب خواصّ الواقع الموضوعي ، أي : خواصّ الراديوم ، ولن يشعَّ الإشعاع الذي تولده ذرّات هذا العنصر ، وبالتالي لن يتطوّر مفهومنا عن الذرّة إلى إشعاع ، كما تتطوّر بعض الذرّات في المجال الخارجي .
وهكذا يتّضح : أنّ قوانين الواقع الموضوعي وخواصّه ، لا توجد في الفكرة ذاتها . ومن تلك القوانين والخواصّ : الحركة ، فهي وإن كانت من الخواصّ العامّة للمادّة ، ومن قوانينها الثابتة ، ولكنّ الحقيقة في ذهننا ، أو الفكرة التي تعكس الطبيعة ، لا توجد فيها تلك الخاصّية ، فلا يجب في الفكرة الصحيحة أن تعكس الواقع الموضوعي بخصائصه وألوان نشاطه المختلفة ، وإلاّ لم نكن نملك فكرة حقيقية في جميع أفكارنا .
فالميتافيزيقية ، مع إيمانها بأنّ الطبيعة هي عالم الحركة والتطوّر الدائم ، تختلف عن الديالكتيك ، وترفض عموم قانون الحركة للمفاهيم الذهنية ؛ لأنّها لا يمكن أن تتوفّر فيها جميع خصائص الواقع الموضوعي . وليس معنى هذا : أنّ