فلسفتنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٢٣٨ - إيضاح عدّة نقاط عن المفهومين
مسؤول ـ أيضاً ـ عن الدليل على النفي ؛ لأنّه لم يجعل القضية الميتافيزيقية موضع الشكّ ، وإنّما نفاها نفياً قاطعاً ، والنفي القاطع كالإثبات القاطع يفتقر إلى الدليل . فالمادّي حين زعم أنّ السبب المجرّد لا وجود له ، ادّعى في هذا الزعم ضمناً أنّه أحاط بالوجود كلّه ، ولم يجد فيه موضعاً للسبب المجرّد ، فلابدّ أن يقدّم دليلاً على هذه الإحاطة العامّة ، وتبريراً للنفي المطلق .
ونتساءل هنا من جديد : ما هي طبيعة الدليل الذي يمكن للإلهي أو للمادّي أن يقدّمه في هذا المجال ؟
ونجيب أنّ دليل الإثبات أو النفي يجب أن يكون هو العقل ، لا التجربة المباشرة ، خلافاً للمادّية التي درجت على اعتبار التجربة دليلاً على مفهومها الخاصّ ، زاعمة أنّ المفهوم الإلهي أو القضايا الميتافيزيقية بصورة عامّة لا يمكن إثباتها بالتجربة ، وأنّ التجربة هي التي تردّ على تلك المزاعم ؛ لأنّها تحلّل الإنسان والطبيعة ، وتدلّل على عدم وجود أشياء مجرّدة فيهما ؛ ذلك أنّ التجارب والحقائق العلمية إذا صحّ للمادّية ما تزعمه : من أنّها لا تقوم دليلاً على الاتّجاه الإلهي ، فهي ـ أيضاً ـ لا تصلح دليلاً للنفي المطلق الذي يحدّد الاتّجاه المادّي ، فقد عرفنا أنّ الحقائق العلمية على اختلاف ألوانها ليست موضعاً للنقاش بين الإلهية والمادّية ، وإنّما النقاش في التفسير الفلسفي لتلك الحقائق ، أي : في وجود سبب أعلى وراء حدود التجربة .
ومن الواضح : أنّ التجربة لا يمكن أن تعتبر برهاناً على نفي حقيقة خارج حدودها . فالعالِم الطبيعي إذا لم يجد السبب المجرّد في مختبره ، لم يكن هذا دليلاً إلاّ على عدم وجوده في ميدان التجربة ، وأمّا نفي وجوده في مجال فوق مجالات التجربة ، فلا يمكن أن يستنتج من التجربة ذاتها .
ونؤكّد بهذا البيان على أمرين :