فلسفتنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٧٩ - أهمّ المذاهب الفلسفيّة في قيمة المعرفة
الأوضاع والعلاقات [١] .
ومن اليسير أن نلاحظ هنا : أنّ القوى الاقتصادية احتلّت في المادّية التأريخية موضع العناصر اللاّشعورية من الغرائز والشهوات في نظرية فرويد ، فبينما كان الفكر عند فرويد تعبيراً حتمياً عن متطلّبات الغرائز والشهوات المكتنزة ، يصبح في رأي المادّية التأريخية تعبيراً حتمياً عن متطلّبات القوى الاقتصادية والوضع الاقتصادي العامّ . والنتيجة واحدة في الحالين ، وهي : انعدام الثقة بالمعرفة وفقدانها لقيمتها ؛ لأنّها أداة لتنفيذ متطلّبات قوّة صارمة مسيطرة على التفكير ، هي: قوّة اللاّشعور أو قوّة الوضع الاقتصادي ، ولا يمكننا أن نعرف ما إذا كان الوضع الاقتصادي يملي في عقولنا الحقيقة أو ضدّها ، وحتّى إذا وجدت هذه المعرفة فهي بدورها ـ أيضاً ـ تعبير جديد عن متطلّبات الوضع الاقتصادي التي لم نعرف بعد كيف نثق بتطابقها مع الواقع .
وبهذا نعرف أنّ مذهب الماركسية في التاريخ كان يفرض عليها الشكّ ، غير أنّها لم تخضع للشكّ ، وأعلنت في فلسفتها عن إيمانها بالمعرفة وقيمتها . وسوف نعرض فيما بعد لنظرية المعرفة عند الماركسية على الصعيد الفلسفي ، وإنّما نريد أن نشير هنا إلى أنّ النتائج المحتومة للمذهب الماركسي في التاريخ ـ أي المادّية التاريخية ـ تناقض نظرية الماركسية الفلسفية عن المعرفة ؛ لأنّ الربط المحتوم بين الفكر والعامل الاقتصادي في المذهب التاريخي للماركسية يزيل الثقة بكلّ معرفة بشرية ، خلافاً لنظرية المعرفة الماركسية التي تؤكّد على هذه الثقة كما سنرى .
وسوف لن ندخل في نقاش الآن مع هذه النظريات الثلاث : (السلوكية ،
[١] راجع النظريّة مفصّلاً في : فهمي السجيني ، حقيقة العقل وحركة التاريخ : ١٣٣ ـ ٢٠٠ .