فلسفتنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٧٨ - أهمّ المذاهب الفلسفيّة في قيمة المعرفة
العقلية اللاّشعورية وبين الحقيقة ؛ لأنّ هذا التفكير ذاته ينبثق ـ أيضاً ـ عن رغباتنا اللاّشعورية ، ويعبّر عنها لا عن الواقع والحقيقة .
ويجيء بعد هذا دور المادّية التاريخية لتنتهي إلى نفس النتيجة التي أسفرت عنها مذاهب السلوكية والتحليل النفسي بالرغم من أنّ أصحابها يرفضون كلّ لون للشكّ ، ويؤمنون على الصعيد الفلسفي بقيمة المعرفة وقدرتها على كشف الحقيقة .
والمادّية التاريخية تعبّر عن المفهوم الكامل للماركسية عن التاريخ والمجتمع وقوانين تركّبه وتطوّره ، وهي لذلك تعالج الأفكار والمعارف الإنسانية عامّة بوصفها جزءاً من تركيب المجتمع الإنساني ، فتعطي رأيها في كيفية نشوء سائر الأوضاع السياسية والاجتماعية .
والفكرة الأساسية في المادّية التاريخية هي : أنّ الوضع الاقتصادي الذي تحدّده وسائل الإنتاج هو الأساس الواقعي للمجتمع بكلّ نواحيه ، فجميع الظواهر الاجتماعية تنشأ عن الوضع الاقتصادي ، وتتطوّر تبعاً لتطوّره . ففي بريطانيا ـ مثلاً ـ حينما تحوّل وضعها الاقتصادي من الإقطاع إلى الرأسمالية ، وحلّت الطاحونة البخارية محلّ الطاحونة الهوائية ، تبدّلت جميع أوضاعها الاجتماعية ، وتكيّفت وفقاً للحالة الاقتصادية الجديدة .
ومن الطبيعي للمادّية التاريخية بعد أن آمنت بهذا ، أن تربط المعرفة الإنسانية عموماً بالوضع الاقتصادي ـ أيضاً ـ بوصفها جزءاً من الكيان الاجتماعي الذي يرتكز كلّه على العامّل الاقتصادي ؛ ولذلك نجد أنّها تؤكّد على أنّ المعرفة الإنسانية ليست وليدة النشاط الوظيفي للدماغ فحسب ، وإنّما يكمن سببها الأصيل في الوضع الاقتصادي ؛ ففكر الإنسان انعكاس عقلي للأوضاع الاقتصادية وما ينشأ عنها من علاقات ، وهو ينمو ويتطوّر طبقاً لتلك