فلسفتنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٧٦ - أهمّ المذاهب الفلسفيّة في قيمة المعرفة
عمليات الهضم عند الباحثين المختلفين وأيّهما هو الصحيح ، فكما لا يصحّ أن نتساءل أيّهما هو الحقيقة : عمليات الهضم عند أبيقور ونيوتن وماركس أو عند أرسطو وآنشتين وريكاردو ، كذلك لا يصحّ أن نتساءل أيّ مذاهبهم وأفكارهم هو الحقيقة ؛ لأنّ أفكار هؤلاء المفكّرين كعمليات الهضم المختلفة في مِعَدِهم ، ليست إلاّ وظائف جسمية ونشاطات عضوية ، فمتى أمكن لنشاط المعدة في عمليات الهضم أن يكشف لنا عن نوعية الغذاء ويصف لنا طبيعته ، يتاح للنشاط العصبي في الدماغ أن يعكس شيئاً من الحقائق الخارجية ، وما دام لا يجوز لنا أن نتساءل عن نشاط المعدة أهو صادق أو كاذب ، فكذلك بالنسبة إلى النشاط الفكري .
ونجد ـ أيضاً ـ بوضوح أنّ الفكرة في رأي المدرسة السلوكية مرتبطة بمنبّهاتها لا بدليلها ، وبذلك تفقد الثقة بكلّ معرفة بشرية ؛ لأنّ من الجائز أن تتبدّل وتعقبها فكرة مناقضة إذا اختلفت المنبّهات والشروط الخارجية ، ويعود من عبث القول مناقشة المفكّر في فكرته وأدلّتها ، وإنّما يجب الفحص عن المنبّهات المادّية لتلك الفكرة وإزالتها . فإذا كانت الفكرة قد نشأت ـ مثلاً ـ من حرارة الموقد في الغرفة التي يفكّر فيها وعملية الهضم ، كان السبيل الوحيد للقضاء على الفكرة تغيير جوّ الغرفة وإيقاف عمليات الهضم مثلاً ، وهكذا تصبح المعرفة البشرية خواءً وخلواً من القيمة الموضوعية .
ومذهب التحليل النفسي عند فرويد يسجّل نفس النتائج التي انتهت إليها السلوكية فيما يتّصل بنظرية المعرفة ، فهو وإن كان لا ينكر العقل ولكنّه يقسِّمه إلى فئتين : إحداهما العناصر الشعورية ، وهي : مجموعة الأفكار والعواطف والرغبات التي نحسّ بها في نفوسنا . والآخر العناصر اللاّشعورية في العقل ، أي : شهواتنا وغرائزنا المختزلة وراء شعورنا ، وهي قوىً عقلية عميقة الغور في أعماقنا ،