فلسفتنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٦١ - أهمّ المذاهب الفلسفيّة في قيمة المعرفة
أو نكوِّن معنى شيء يختلف عن التصوّرات والانفعالات ، فلنوجّه انتباهنا إلى الخارج ما استطعنا ولتثب مخيلتنا إلى السماوات أو إلى أقاصي الكون ، فلن نخطو أبداً خطوة إلى ما بعد أنفسنا ، ولهذا فلا يمكن أن نجيب على المسألة الأساسية في الفلسفة التي يتصارع عندها المثاليون والواقعيون ، فالمثالية تزعم أنّ الواقع قائم في الشعور والإدراك ، والواقعية تؤكّد على أنّه موجود بصورة موضوعية مستقلّة ، والشكّية ترفض أن تجيب على المسألة ؛ لأنّ الردّ عليها مستحيل ، فلترجأ المسألة إلى الأبد .
والواقع : أنّ (دافيد هيوم) لم يزد على حجج (باركلي) شيئاً ، وإن زاد عليه في الشكّ والعبث بالحقائق ، فلم يقف في شكّيته عند المادّة الخارجية ، بل أطاح بالحقيقتين اللتين احتفظ بهما (باركلي) في فلسفته ـ وهما النفس والله ـ تمشّياً مع المبدأ الحسّي إلى النهاية ، فقد اتّخذ لذلك نفس أسلوب (باركلي) وطريقته ، فكما أنّ الجوهر المادّي لم يكن في رأي (باركلي) إلاّ مجموعة من الظواهر المركّبة تركيباً صناعياً في الذهن ، كذلك النفس ما هي إلاّ جملة من الظواهر الباطنية وعلاقاتها ، ولا يمكن إثبات (الأنا) ـ النفس ـ بالشعور ؛ لأنّني حين أنفذ إلى صميم ما أُسمّيه (أنا) أقع دائماً على ظاهرة جزئية ، فلو ذابت الإدراكات جميعاً لم يبقَ شيء أستطيع أن أُسمّيه (أنا) .
وفكرة (الله) تقوم على مبدأ العلّية ، ولكنّ هذا المبدأ لا يمكن التسليم بصحته بزعم (دافيد) ؛ لأنّ الحسّ لا يطلعنا على ضرورة بين الظواهر والحوادث ، وإنّما ترجع فكرة العلّية إلى مجرّد عادة ، أو إلى لون من ألوان تداعي المعاني .
وهكذا بلغ (دافيد) بالنظرية الحسّية والمذهب التجريبي إلى ذروتهما التي يؤدّيان إليها طبيعياً ، وبدلاً من أن يبرهن عن هذا الطريق على رفض المبدأ