دروس في مسائل علم الأصول - التبريزي، الميرزا جواد - الصفحة ٢٥١ - أصالة البراءة
و فيه: إن نفي التعذيب قبل إتمام الحجة ببعث الرسل لعله كان منّة منه تعالى على عباده، مع استحقاقهم لذلك، و لو سلم اعتراف الخصم بالملازمة بين الاستحقاق و الفعلية، لما صح الاستدلال بها إلّا جدلا، مع وضوح منعه، ضرورة أن ما شك في وجوبه أو حرمته ليس عنده بأعظم مما علم بحكمه، و ليس حال الوعيد بالعذاب فيه إلّا كالوعيد به فيه، فافهم.
الحكم و التكليف كونه داعيا للعباد إلى العمل بعد وصوله إليهم، و كذا لم تكن دعواه أن مفادها التكليف غير الواصل إلى شخص لم يجعل في حقه، بل جعل في حق من وصل إليه خاصة؛ لأنّ هذا الاختصاص في الجعل أمر غير معقول، حيث إن لازمه أخذ العلم و بيان التكليف في موضوع ذلك التكليف، و مع ذلك لا يرتبط بالبراءة، بل المتمسك بها للبراءة يدعي أن المراد من نفي التكليف السؤال عن العمل به و المؤاخذة على مخالفته و المؤاخذة و السؤال عن العمل يكون في حقّ من وصل إليه ذلك التكليف، و في هذا المفاد تكون ما^ الموصولة مفعولا به ما آتاها بمعنى أعلمها أو معنى يدخل فيه الإعلام و الإبلاغ، و الجواب عن هذا الاستدلال يتعين في أمرين، الأول: أن ظاهر آتاها بمعنى أقدرها لا أعلمها و هذا المعنى لا يدخل فيه الإعلام، و الثاني: أن عدم السؤال عن تكليف و عدم المؤاخذة على مخالفته مع عدم إعلامه و بيانه تأكيد للبراءة العقلية المعبّر عنها بقبح العقاب بلا بيان، و قد تقدم أنها لا تفيد في مقابل دعوى الأخباري وصول البيان بأمر الشارع بالتوقف في الشبهات عن الارتكاب و الأمر بالاحتياط فيها.
و مما ذكر يظهر أن الآية أظهر في الدلالة على البراءة العقلية من آية ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ فإن الأخبار بعدم المؤاخذة تعم كل مكلف بخلاف الآية السابقة فإنها كانت بالإضافة إلى العذاب الدنيوي في الامم السابقة.