بدائع الأفكار في الأصول - العراقي، آقا ضياء الدين - الصفحة ٥٧ - النحو الثالث هو أن يكون الحرف موضوعا للقدر المشترك بين الجزئيات المعنى الحرفي
لا شبهة فى أن الابتداء الذي هو معنى لفظ من له جزئيات خارجية متماثلة و لا ريب في ان تماثلها إنما يكون بامر ذاتي داخل فى قوام ذاتها مشترك بينها و الذي يدل على ذلك هو أنا نجد أن الحرف كمن مثلا يستعمل في جزئيات معناه بعناية واحد و العرف لا يرى ذلك فى استعماله فى الجزئيات المتعددة من متكثر المعنى و أنه مشترك لفظى بل يراه من متحد المعنى و أن استعماله فى جميع تلك الجزئيات بلحاظ واحد على حد استعمال الاسم غير العلم فى جزئيات معناه و ايضا نجد الحرف يستعمل في طبيعي معناه بلا عناية كما فى مثل قولنا سر من البصرة الى الكوفة فان لفظ من و إلى في المثال المزبور لا شبهة في أنهما استعملا فى طبيعي معناهما كاستعمال لفظ سر و ان استعمالهما فى مثل المورد على نحو استعمالهما في مثل قولنا سرت من البصرة الى الكوفة فاذا تحقق أن بين جزئيات المعنى الحرفى قدرا مشتركا بينها فلا مانع من الوضع لذلك القدر المشترك كما أنه هو الواقع و الاستعمالات المذكورة اصدق شاهد عليه و لا ينافى ذلك تبادر المعنى الخاص من الحرف فى مقام استعماله فى موارده الخاصة سواء كان ذلك المتبادر حصة من طبيعي معنى الحرف كما في مثل سر من البصرة الى الكوفة أم كان فردا من افراده كما في مثل سرت من البصرة الى الكوفة فان تبادر الخصوصية في كلا الفرضين غير مستند الى نفس الحرف ليكون دليلا على وضعه للخاص بل هو مستند الى قرائن تحف بالحرف سواء كانت حالية ام مقالية مثلا ذكر البصرة و الكوفة اوجب تضييق معنى لفظ من و إلى حتى صار حصة منه في مثل سر من البصرة الى الكوفة لأن تصور معناه متوقف على تصور مدخوله من المعاني الاسمية لكونه معنى ارتباطيا متقوما في حد ذاته بالارتباط بغيره و إن كانت خصوصية تقيده بمدخوله غير مأخوذة فى قوام معناه.
فاتضح مما ذكرناه أن الموضوع له كالوضع في الحروف عام إذ قد عرفت أن الموضوع له فيها هو القدر المشترك بين جزئيات المعنى الحرفي الذي لا يكاد ينفك عن الخصوصيات التي تضيق سعته و لا يمكن تصوره إلا فى ضمن تصورها و لا فرق فى ذلك بين كون الخصوصية التي يقترن بها المعنى الحرفي كلية فى الجملة كما فى مثل قولنا سر من البصرة و بين كونها جزئية حقيقية مثل قولنا سرت من البصرة فان لفظ من في كلتا الصورتين مستعمل في القدر المشترك غاية الأمر أن