بدائع الأفكار في الأصول - العراقي، آقا ضياء الدين - الصفحة ٣٠ - الجهة الثانية في حقيقة الوضع
و مما ذكرنا ظهر لك فساد ما يقال من الاشكال على كون الملازمة الوضعية واقعية بأنها لو كانت كذلك لما اختلف الناس فيها كما لم يختلفوا في الملازمة الطبعية بل في جميع الأمور الواقعية و التالي باطل فالمقدم مثله لأنا نرى بالوجدان أن بعض الناس يرى الربط الوضعي بين لفظ و معنى و لا يرى ذلك غيره مثلا لفظ الماء ترى الامة العربية الربط الوضعي بينه و بين المعنى المعروف و لكن لا يرى ذلك الربط غيرهم فنستوضح من هذا أن الربط الوضعي ليس امرا واقعيا بل هو امر اعتباري قائم بنفس المعتبر كالملكية فكما أن الملكية نحو من أنحاء الاعتبار تختلف فيه الانظار كذلك الربط الوضعي (و الجواب) أنا قد بينا أن الملازمة بين حضور اللفظ الموضوع و حضور المعنى الموضوع له في الذهن مجعولة بنفس الوضع لا أنها تكوينية ذاتية حتى لا تختلف فيها الانظار و لكن تلك الملازمة الوضعية بعد جعلها تكون من الامور الواقعية و إنما الاعتبار سبب لحدوثها لا أنه مقوم لذاتها كما هو كذلك في مثل أنياب الغول و تحليل الماهيات الى الاجناس و الفصول فان الاعتبار في هذا الامور مقوم لذات الامر المعتبر لا أنه سبب لوجوده كما هو كذلك في مثل الملازمة الوضعية و الشيء بعد وجوده خارجا باي سبب اتفق يكون من الامور الواقعية و اختلاف الانظار في ادراكه و الاذعان به إنما هو لكونه من الامور التي تحدث باسبابها اتفاقا فيذعن بوجودها العالم به و ينكره الجاهل و كذلك الملازمة الوضعية في اي لغة كانت فانها بعد العلم بتحققها في تلك اللغة يذعن بوجودها حتى من لم يكن من أهل تلك اللغة و تؤثر أثرها فى نفسه كما تؤثر في نفس من هو من أهلها مثلا اذا علم غير العربي أن لفظ الماء موضوع عند العرب لهذا المعنى المعروف فقد علم بتحقق الملازمة الوضعية بينهما لهذا اذا سمع هذا اللفظ أو حضر في ذهنه بسبب آخر تؤثر تلك الملازمة فى نفسه باحضار معناه في ذهنه و لو كانت الملازمة الوضعية امرا اعتباريا متقوما بنفس اعتبار المعتبر لكانت تقوم بنفسه لا تتجاوزه الى غيره إلا باعتبار ثان مثل الاعتبار الأول يقوم بنفس المعتبر الثاني و هكذا كلما تعدد الاعتبار تعدد وجود الأمر المعتبر و بالضرورة أن الملازمة الوضعية ليست كذلك بل هي توجد بسبب اعتبار الواضع و تكون انظار غيره طرقا لادراكها و العلم بها و أما الملكية فهي بعد اعتبار المعتبر كون شيء خاص