بدائع الأفكار في الأصول - العراقي، آقا ضياء الدين - الصفحة ٢٠٥ - في بيان المراد من تغاير الطلب و الارادة
الانسان بارادته مفوضا اليه بقول مطلق و لا مستندا اليه تعالى كذلك ليكون العبد مقهورا عليه و معه يصح ان يقال لا جبر فى البين لكون أحد مبادي الفعل هو اختيار الانسان المنتهى الى ذاته و لا تفويض بملاحظة كون بقية مباديه الاخرى مستندة اليه تعالى و لا مانع من أن يكون ما ذكرنا هو المقصود بقوله (عليه السلام)- لا جبر و لا تفويض بل امر بين امرين-.
(أن قلت) لا اشكال في ان كل فعل صادر من الانسان بارادته يستند الى المبادي المزبورة من العلم و القدرة و الشوق و الارادة و اما صفة الاختيار التي هي من لوازم وجود الانسان المجعولة بجعله فاي دخل لها فى وجود الفعل و صدوره من فاعله و ما لم يكن لها دخل فى صدوره لا اثر لاتصاف الانسان بها في كون فعله اختياريا كما لا يخفى (قلت) الاختيار الذي يتصف الانسان به لا يزال قوة فيه قبل صدور الفعل الاختياري منه فاذا صدر الفعل الاختيارى من الانسان صار ما بالقوة من الاختيار فعليا و اتصف الفعل المقترن به بكونه اختياريا فالفاعل للفعل هو الانسان و اقتران فعل بالاختيار موجب لكون ذلك الفعل اختياريا و اما بقية المبادي المزبورة من العلم و القدرة و غيرهما فهي بالنسبة الى الفعل الاختياري بمنزلة الشروط مثلا تصديق الانسان بكون الفعل الكذائي ذا مصلحة يوجب ترجيح وجوده على عدمه في نظره فيختاره و حدوث الشوق اليه يوجب سهولة صدوره من الانسان و حدوث الارادة فى نفسه يوجب حركة عضلاته في سبيل ايجاده فتلك المبادي بعضها شروط و بعضها معدات و الفاعل الحقيقي هو الانسان المختار (و مما ذكرنا) اتضح لك فساد قول من يزعم ان الاختيار في الفاعل المختار انما هو تعلق ارادته بفعله و ان كانت الارادة و جميع مباديها مجعولة بجعل مستقل بالارادة الأزلية اذ على ذلك يستند الفعل للارادة و هي بمباديها اليه تعالى و معه كيف يصح وصف فاعله بالاختيار بخلاف ما لو كان بعض مبادي الفعل مستندا الى فاعله كما اشرنا اليه (و اذ قد ثبت) كون الانسان مختارا فى فعله تبين لك ايضا بطلان دعوى الأشاعرة من انتفاء الحسن و القبح العقليين إذ لم يكن مانع من ثبوتهما عندهم إلا كون الانسان مجبورا في افعاله فاذا ثبت اختياره فالوجدان اصدق شاهد على ثبوت الحسن و القبح في نظر العقل او العقلاء و ايضا اتضح لك بثبوت الاختيار