النعيم المقيم لعترة النبأ العظيم - الموصلي، شرف الدين - الصفحة ١٢٧ - في كلامه
فلا تجزع و إن أعسرت يوما * * * فقد أيسرت في زمن طويل
و لا تيأس فإنّ اليأس كفر * * * لعل اللّه يغني عن قليل
و لا تظنن بربك ظن سوء * * * فإن اللّه أولى بالجميل [١]
فخرج و هو أعلا الناس قدرا و أوسعهم صدرا. و من إسناده، قال صلى اللّه عليه و سلّم: «جعل المرارة في الأذنين حجابا عن وصول الذباب إلى الدماغ؛ لأنها إذا ذاقته رجعت، و جعل الحرارة في المنخرين لاستنشاق الريح؛ و لو لا ذلك لنتن الدماغ، و جعل العذوبة في الشفتين؛ و لو لا ذلك لم يميز المطعوم بعضها عن بعض» [٢].
و سأل أبو حنيفة عن كلمة أولها كفر و آخرها إيمان. فلم يتكلم. فقال له: «لا إله كفر و إلّا اللّه إيمان». ثم قال له: «أيما أعظم القتل أو الزنا؟» [قال: القتل] فقال: «الشهادة في القتل عدلان، و في الزنا أربعة».
ثم قال: «أيما أنجس البول أو المني؟» فقال: بل البول. فقال: «فما باله نجزي منه قليل الماء، و قليله لا يجزي في المني؟» ثم قال: «أيما أرجح الصلاة أو الصوم؟» فقال: الصلاة: فقال: «ما بال الحائض تقضي الصوم و لا تقضي الصلاة؟» فسكت و لم يتكلم. فقال له: «إن دين اللّه لا يدخله القياس، و أول من قاس إبليس فهلك بقول اللّه تعالى: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [٣] و كيف يسجد الأعلى للأدنى» [٤].
و قال المنصور للحكماء: ما الحكمة في خلق الذباب؟ فقال كل منهم ما حضره، و هو لذلك منكر. فسأل جعفرا فقال: «ليذل به الجبابرة، ثم قرأ: وَ إِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَ الْمَطْلُوبُ [٥]» [٦].
فاستحسن المنصور قوله (عليه السلام).
[١]- و قد اختلف في قائلها، أنظر: شرح نهج البلاغة: ٣/ ١٥٩، البداية و النهاية: ٨/ ١١.
[٢]- علل الشرائع: ١/ ٨٦، مناقب آل أبي طالب: ٣/ ٣٧٦.
[٣]- سورة الأعراف: ١٢.
[٤]- المجدي: ٩٤.
[٥]- سورة الحج: ٧٣.
[٦]- تهذيب الكمال: ٥/ ٩٣، سير أعلام النبلاء: ٦/ ٦٤.