المناقب و المثالب - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ١١٥ - عروض قريش
و عتبة منصت يستمع إليه قد ألقى يده خلف ظهره معتمدا عليها حتى انتهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلى موضع السجدة، فسجد ثم قال: «قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت و ذاك».
فقام عتبة إلى أصحابه، فلمّا نظروا إليه مقبلا قال بعضهم لبعض: نحلف باللّه لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، فلمّا جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟
قال: ورائي أني سمعت قولا و اللّه ما سمعت مثله قط، و اللّه ما هو بالسحر و لا الشعر و لا الكهانة، يا معشر قريش أطيعوني و اجعلوها بي، خلوا بين هذا الرجل و بين ما هو فيه و اعتزلوه، فو اللّه ليكونن له نبأ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، و إن يظهر عليها فملكه ملككم و عزّه عزّكم و كنتم أسعد الناس به.
قالوا: سحرك و اللّه يا أبا الوليد بلسانه.
[قال: هذا رأيي فيه فاصنعوا ما بدا لكم [١].
و أن أبا جهل و أبا سفيان و الأخنس بن شريق، خرجوا ليلة ليسمعوا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و هو يصلي بالليل في بيته، فأخذ كل رجل منهم مجلسا ليستمع منه، و كل لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له حتى إذا أصبحوا و طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق فتلاوموا و قال بعضهم لبعض: لا تعودوا، فلو رآكم بعض سفهائكم لاوقعتم في نفسه شيئا. ثم انصرفوا، حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرّة. ثم انصرفوا، فلمّا كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق
[١]- السيرة النبوية لابن هشام: ١/ ١٨٨- ١٩٠، تاريخ دمشق: ٣٨/ ٢٤٧، عيون الاثر: ١/ ١٣٩- ١٤٠، السيرة النبوية لابن كثير: ١/ ٥٠٤- ٥٠٥.