المناقب و المثالب - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٣٦ - ذكر مناقب هاشم بن عبد مناف و مثالب عبد شمس بن عبد مناف و هو أخوه
أرحاما، يا معشر قريش إنكم جيران بيت اللّه عزّ و جلّ، أكرمكم اللّه بولايته و اختصكم بجواره دون بني إسماعيل، و حفظ منكم أحسن ما حفظ جار من جواره، فاكرموا ضيفه و زوار بيته، فإنهم يأتونكم شعثا غبرا من كل بلد، فو ربّ هذا البيت لو كان مالي يحمل ذلك لكفيتكموه، و لكني مخرج من طيب مالي و حلاله ما لم يقطع فيه رحم، و لم يؤخذ بظلم و لم يدخل فيه حرام فواضعه، فمن شاء منكم أن يفعل من ذلك ما قدر عليه و أمكنه فعل، و أسألكم بحرمة هذا البيت ألا يخرج رجل منكم من ماله، لكرامة زوار البيت و مئونتهم إلّا طيّبا لم يؤخذ ظلما و لم يقطع فيه رحم، و كانت بنو كعب بن لؤي تجتهد كلها في ذلك، فإذا أخرجوا ما يخرجونه من أموالهم أتوا به هاشم بن عبد مناف فوضعوه في داره دار الندوة، حتى أن أهل البيت ليرسلون بالشيء اليسير على قدرهم، فيطعمون بذلك الحجيج [١].
و كان هاشم يأمر بحياض من أدم فتجعل في موضع زمزم، و ذلك قبل أن تحفر و ينقل الماء إليها فيشرب الحاج منها و يسقون، و كان يطعمهم بمكة قبل التروية و يوم التروية بمنى و عرفة و بجمع و المزدلفة، و كان يثرد لهم الخبز و يطعمهم اللحم و السمن و السويق و التمر، و يسقيهم اللبن و يحمل لهم الماء، إلى أن ينفر الناس إلى بلدانهم، يفعل ذلك كل عام، و لذلك سمّي هاشما، و سمّي القمر، لشرفه و جماله، و في ذلك يقول مطرود الخزاعي، و قد دعى إليه بعض من نازعه في خصومة:
إلى القمر الساري المقيم دعوته * * * و مطعمهم في الأزل من قمع الجزر [٢]
و فيه يقول آخر:
عمرو الذي هشم الثريد لقومه * * * و رجال مكة مسنّتون عجاف [٣]
[١]- انظر: شرح نهج البلاغة: ١٥/ ٢١١- ٢١٣.
[٢]- شرح نهج البلاغة: ١٥/ ٢٠٠، و فيه: (المنير) بدل (المقيم).
[٣]- التاريخ الصغير للبخاري: ١/ ٣٩، الطبقات الكبرى: ١/ ٧٦، تاريخ الطبري: ٢/ ١٢، و نسب-