المناقب و المثالب - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٣١٤ - في رحاب زين العابدين عليه السّلام
بعض عقله، فلقيه علي بن الحسين صلوات اللّه عليه فقال له: «يا زهري لقنوطك من رحمة اللّه التي وسعت كل شيء أشدّ عليك ممّا تخوفته عليك من ذنبك، فتب إلى اللّه من ذنبك و استغفره بجرمك، فإن اللّه يحبّ التوابين كما ذكر، و يغفر للمذنبين كما أخبر ثم تلا عليه قوله عزّ و جلّ: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَ أَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ [١] الآية.
فتاب الزهري إلى نفسه و قال: اللّه أعلم حيث يجعل رسالته [٢].
و أخبره صلوات اللّه عليه: أنه ليس من الواجب على من قارف الذنوب أن يشعر نفسه اليأس من رحمة اللّه، و لا يقطع رجاءه من اللّه، و لكن الواجب عليه أن يتنصّل فما كان في ذنوبه من التباعات إلى أهلها و يتوب إلى اللّه و يستغفره فيما كان بينه و بينه منها، و يستشعر الندم على ما سلف منها، و يعقد قلبه على أنه لا يعود إليها، و يتوسل إلى اللّه بأوليائه كما قال عزّ و جلّ في كتابه: وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً [٣] لا أن ييأس من رحمة اللّه و يستوحش من النار كما فعل الزهري و يهيم على وجهه، و قد جعل اللّه للمذنبين من عباده أبوابا يتوسلون بها إلى رحمة اللّه.
و كان علي بن الحسين عليه السّلام يقول: «الحلم هو الذل» [٤].
و روي عنه: أن جارية له وقفت عليه توضئه بإبريق في يدها، فسقط الإبريق من يدها على وجهه فشجه، فرفع إليها رأسه و نظر إليها فقالت: يا مولاي إن اللّه يقول:
[١]- سورة الزمر: ٥٣- ٥٤.
[٢]- الطبقات الكبرى: ٥/ ٢١٤، تاريخ دمشق: ٤١/ ٣٩٨، البداية و النهاية: ٩/ ١٢٥- ١٢٦.
[٣]- سورة النساء: ٦٤.
[٤]- و هذا مستمد من قول الامام علي (ع) حين قال له قائل: علمني الحلم، فقال: (هو الذل، فاصبر عليه إن استطعت). شرح نهج البلاغة: ٢٠/ ٢٩٧ ح ٤٠٢.