المناقب و المثالب - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٢٦٥ - قول النجاشي الشاعر
الظلام إذا أضاء له السراج، و إن لم يضيء له لم يكن له نور.
فيكون مجاز هذا القول: أن يكون فخر معاوية إنما استحق عند النجاشي لقرابته من علي عليه السّلام، و هذا على ما قدّمنا ذكره لا يستحق، لأن من نافس الفاضل فضله و نازعه فيه لم يستحق الفضل به و لو كان أقرب الناس إليه، و قد ذكرنا هذا فيما تقدم و بينّاه، و لعل الذي دعى النجاشي إلى هذا التشبيه، الخبر الذي روي عن عمر: أنه وجّه حابس بن سعد الطائي قاضيا إلى الشام فانصرف فقال: ما الذي صرفك؟
قال: رأيت بالشام رؤيا أفزعتني.
قال: و ما هي؟
قال: رأيت الشمس و القمر يقتتلان و كأن الكواكب بعضها مع الشمس و بعضها مع القمر و كأني كنت في بعضها فقتلت.
قال له عمر: مع من كنت؟
قال: مع القمر.
قال: اذهب فما كنت بالذي يعمل لي عملا أبدا ثم قرأ: فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَ جَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً ثم قال: هذا رجل يموت على ضلالة.
و كان حابس بن سعد رجلا في أصحاب معاوية بصفين و قتل يومئذ، فتأوّلوا رؤياه بعده و قالوا: الشمس التي رآها حابس علي عليه السّلام و القمر معاوية و النجوم التي كانت معهما الصحابة [١].
فإن ذهبوا بذلك إلى تأويل عمر، فقد شهد على معاوية و أصحابه بالضلالة، مع أن هذا طلب المخرج إلى من لم يلتفت إلى قوله، و لا حجة فيه لمن عسى أن يحتج به، و لو أن النجاشي قال: إن معاوية أفضل من علي عليه السّلام، لم يكن قوله حجة مع إطباق
[١]- مصنف ابن أبي شيبة: ٧/ ٢٧٨ ح ١٢٧ و ٨/ ٧٢٥ ح ٢٨، تاريخ دمشق: ٦٨/ ١٠٤، الدر المنثور: ٤/ ١٦٧.