التنقيح في شرح العروة الوثقى - الغروي، الشيخ علي - الصفحة ٣٨٩ - حكم الحاكم لا يجوز نقضه
..........
فالصحيح أن يستدل على ذلك بما علمنا بالضرورة من تشريع القضاء في الشريعة المقدسة و قد دل عليه قوله عز من قائل وَ إِذٰا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّٰاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ [١] و يستفاد أيضا من الروايات المأثورة عنهم(ع) بوضوح.
كصحيحة أبي خديجة قال: قال لي أبو عبد اللّٰه- ع .. و لكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا فاجعلوه بينكم فاني قد جعلته قاضيا فتحاكموا اليه [٢] و صحيحته الأخرى قال: بعثني أبو عبد اللّٰه(ع) إلى أصحابنا فقال: قل لهم: إياكم إذا وقعت بينكم خصومة أو تدارى في شيء من الأخذ و العطاء أن تحاكموا إلى أحد من هؤلاء الفساق اجعلوا بينكم رجلا قد عرف حلالنا و حرامنا فاني قد جعلته عليكم قاضيا .. [٣] الى غير ذلك من الروايات. بل لو لا مشروعية القضاء في الخصومات للزم اختلال النظام و الهرج و المرج.
فمشروعية القضاء في الشريعة المقدسة من المسلمات. و القضاء بمعنى فصل الخصومة و حلها. و قد قيل: انما سمي ذلك بالقضاء، لأن القاضي يقضى على الخصومة بفصلها، فلا يجوز وصلها بعد فصلها فان جوازه يستلزم لغوية القضاء. و حيث أن المستفاد من الروايات أن حكم الحاكم إذا صدر عن الميزان الصحيح معتبر مطلقا و أن اعتباره ليس من جهة الأمارية إلى الواقع بل انما هو لأجل أن له الموضوعية التامة في فصل الخصومات و حل المرافعات فلا مناص من الالتزام بعدم جواز نقضه مطلقا سواء علمنا بعدم مطابقته للواقع أو بالخطاء في طريقه- وجدانا أو تعبدا- أم لم نعلم به بلا فرق في ذلك بين الشبهات الحكمية و الموضوعية فلا يجوز للمتخاصمين إعادة الدعوى عند ذلك الحاكم مرة ثانية أو عند حاكم آخر
[١] النساء ٤: ٥٨.
[٢] المروية في ب ١ من أبواب صفات القاضي من الوسائل.
[٣] المروية في ب ١١ من أبواب صفات القاضي من الوسائل.