التنقيح في شرح العروة الوثقى - الغروي، الشيخ علي - الصفحة ٣٣٧ - دوران الفائت بين الأقل و الأكثر
..........
بتلك الموارد نظرا إلى أن الرجوع فيه الى البراءة عن الزائد يستتبع فوات القضاء عن جملة ممن هو مكلف به واقعا و من هنا التزموا بالاشتغال في أمثال المقام و إن كانت في نفسها موردا للبراءة كما ذكرناه.
ثم إن مقتضى ذلك و ان كان هو القضاء بمقدار يتيقن معه بالفراغ إلا أن إيجابه يستلزم العسر و الحرج، لان احتمال التكليف باب موسع و أمر خفيف المئونة فلو أوجبنا معه الاحتياط لوجب عند كل محتمل و هو أمر عسر، و من هنا لم يوجبوا الاحتياط بمقدار يوجب اليقين بالفراغ، و لم يرخصوا الاكتفاء بالاحتمال بالرجوع الى البراءة عن الزائد، لاستلزامه تفويت الواجب عمن هو مكلف به واقعا، و اعتبروا الظن بالفراغ لانه أوسط الأمور و خير الأمور أوسطها! فإن هذا هو الحال في كل مورد تعذر فيه الامتثال اليقيني على المكلف، فان العقل يتنزل وقتئذ إلى كفاية الامتثال الاطمئناني ثم الامتثال الظني بل يكتفى بالامتثال الاحتمالى عند تعذر المراتب المتقدمة عليه و لا يتنزل العقل الى الامتثال الاحتمالى من الامتثال اليقيني ابتداء على ما ذكروه في التكلم على دليل الانسداد. إذا يلتئم مدرك المشهور من ضم أمر بأمر أعني قاعدة الاشتغال المنضمة إلى قاعدة نفى الحرج.
و يرد على ذلك:
«أولا»: أن جريان البراءة في تلك الموارد و ان كان يستلزم العلم بالوقوع في مخالفة الواقع. إلا أن الكلام في أن هذا العلم يحصل لأي شخص؟ أ فيحصل العلم به للعامي المتردد أو يحصل للمفتي بإجراء البراءة في تلك المقامات.
أما المقلد فلا علم له بالوقوع في مخالفة الواقع عند اجراء البراءة عن وجوب الحج أو الخمس أو الزكاة، و انما يحتمل المخالفة كما يحتمل الموافقة، و أما المفتي بالجواز فهو و إن كان يحصل له العلم بذلك لانه يعلم علما إجماليا أن جملة ممن يتمسك بالبراءة في تلك الموارد يقعون في مخالفة الواقع و يفوتون بها التكاليف المتوجهة