التنقيح في شرح العروة الوثقى - الغروي، الشيخ علي - الصفحة ٢٥٥ - تعريف العدالة
..........
كما ظهر أن العدالة ليست من الأوصاف النفسانية، و انما هي صفة عملية لأنها في اللغة- كما عرفت- هي الاستقامة و عدم الجور، و في الشرع هي الاستقامة في جادته و الى ذلك أشير في جملة من الآيات المباركة كما في قوله عز من قائل فَإِنْ خِفْتُمْ أَلّٰا تَعْدِلُوا [١] و قوله وَ لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسٰاءِ [٢] لإضافة العدالة فيهما الى الذات بلحاظ استقامتها في جادة الشرع و تطابق اعمالها لاحكامه.
و توضيح ما ذكرناه: أن ترك المحرمات و الإتيان بالواجبات قد يستند الى عدم المقتضى لفعل الحرام أو ترك الواجب كما إذا لم تكن له قوة شهوية أو غضبية باعثة الى فعل الحرام أو ترك الواجب و لم تكن له رغبة- في طبعه- إلى إيجاده كما في أكل القاذورات و نحوها من المحرمات، فإنه أمر قد يتفق فلا تكون للمكلف رغبة إلى فعل الحرام.
و هذا لا بد من أن يفرض في المحرمات أو في الواجبات غير العبادية، لعدم كفاية الإتيان بالواجب لا عن مقتض و داع الهى يدعو إليه في العبادات و الوجه فيه غير خفي.
ثم إن ذلك مجرد فرض لا وقوع له أو لو كان متحققا فهو من الندرة بمكان و ذلك لان البشر لا يخلو عن القوة الغضبية و الشهوية و هما داعيتان له نحو الحرام لا محالة على الاختلاف في مراتبهما. و كيف كان إذا فرضنا أن ترك الحرام مستند الى عدم المقتضى لفعله لم يتحقق بذلك العدالة بوجه، لان المكلف و ان لم ينحرف حينئذ عن جادة الشرع، إلا أنه لم يسلك جادته برادع عن المحرمات، و انما سلكها لا عن مقتض لارتكابها و عدم موافقة المحرم شيئا من قواه، بحيث لو كان له مقتض لفعلها لارتكبها فمثله ليس بسالك لجادة الشرع و ان لم يكن منحرفا عنها
[١] النساء ٤: ٣.
[٢] النساء ٤: ١٢٩.