التنقيح في شرح العروة الوثقى - الغروي، الشيخ علي - الصفحة ٣٧٤ - (أما الصورة الثانية) لا يجب اعلام الجاهل أو الناقل بالحال
..........
و ظهر بعد ذلك أن فتواه فيه الإباحة و أن المحرم هو الصوت المرجع المطرب. لم يجب عليه إعلام السائل بالحال، لأنه أو الناقل و ان سبب ترك العمل للمكلف الا انه تسبيب إلى التزام المكلف بترك أمر مباح أو بإتيان عمل غير واجب و لا حرام و هو مما لا محذور فيه بل هو أمر مستحسن لانه موافق للاحتياط فما استدللنا به على حرمة التسبيب غير جار في المقام.
و أما الاستدلال على وجوب الاعلام في هذه الصورة بما دل على وجوب تبليغ الاحكام و حفظها عن الاندراس فيرد عليه:
(أولا): ما قدمناه من ان تلك الأدلة انما تقتضي وجوب تبليغ الاحكام بمعنى بيانها على نحو يتمكن من الوصول إليها و لا دلالة لها على وجوب إيصالها إلى آحاد المكلفين الذي هو المطلوب في المقام.
و (ثانيا): ان الآيات و الاخبار المستدل بهما على وجوب تبليغ الأحكام مختصة بالأحكام الإلزامية، و لا تعم الاحكام الترخيصية إما لاقترانها بالقرينة في نفسها كقوله عز من قائل إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مٰا أَنْزَلْنٰا مِنَ الْبَيِّنٰاتِ وَ الْهُدىٰ مِنْ بَعْدِ مٰا بَيَّنّٰاهُ لِلنّٰاسِ فِي الْكِتٰابِ أُولٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللّٰهُ .. [١] فإنه يدل على أن كتمان ما هو سبب للهداية هو المبغوض المحرم لدى اللّٰه و ما به الهداية هو الأحكام الإلزامية فحسب، و قوله:
وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذٰا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [٢] لوضوح أن الإنذار لا يتحقق الا ببيان الأحكام الإلزامية، إذ لا إنذار في الأحكام الترخيصية.
و إما لما أسلفناه من أن التعلم واجب طريقي و ليس بواجب نفسي، و الوجه في هذا الوجوب الطريقي هو التحفظ على المصالح لئلا تفوت، و التجنب عن الوقوع في المفاسد، و من الظاهر عدم وجوب التعليم الا فيما وجب فيه التعلم، لانه لا معنى
[١] البقرة ٢: ١٥٩.
[٢] التوبة ٩: ١٢٢.